الخميس، 19 نوفمبر، 2015

نص للصديق خالد طلعت عن هيباشيا الفيلسوفه والعالمة الرياضية السكندريه


شاهدت امس فيلم Agora واعتقد ان كل انسان في مصر وفي العالم ومن كل دين وعرق لابد ان يشاهده! 
اجورا يحكي قصة هيباشيا الفيلسوفه والعالمة الرياضية السكندريه الهيلينيستية الاصل صاحبة الابحاث والاكتشافات الرياضية والفلكيه المذهله! كانت هيباشيا ملحدة لا تؤمن بدين اجدادها ولا بالالهة المصرية ولا باله المسيحية التي بدأت تصبح ديانه هامه في مصر وفي الاسكندريه بالتحديد عاصمتها التي ظلت متألقة بعد افول نجم الامبراطورية الرومانية التي كانت مصر جزءا منها وقت اذاك! 
وبصفتها احد اعضاء المجتمع البارزين وجزء من الحكومة المصريه عملت هيباشيا على تهدئة الصراعات الدينيه بين الوثنيين (عبدة الهة الرومان والاغريق والمصريين القدامى) وبين المسيحيين واليهود، وهي الطوائف الثلاثة الكبرى التي استوطنت الاسكندرية ذلك الوقت! 
يلقي الفيلم الذي يلتزم الى حد كبير بالمعلومات التاريخيه الضوء على انتشار المسيحية في مصر وهو يصلح كمثال جيد لانتشارها في باقي الإمبراطورية الرومانيه.. صحيح انتشرت المسيحية اوليا باسلوب التبشير والمحاورة والاقناع وتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين واعلاء القيم المسيحية الخ.. ولكننا نرى اخيرا ان الصورة لم تكن وردية! 
كان الوثنيون من جميع الخلفيات (مصرية فرعونية، يونانية هيلينستيه، رومانية) يعيشون في سلام ووئام وهارموني ويعبدون الهتهم التي تمكنوا من ضمها جميعا الى نفس المعبد.. وكما هي عادة الديانات الوثنية من محاولة الضم والدمج عوضا عن التصادم ضمت مدرسة هيباشيا الفلسفية كل الفئات من وثنيين ويهود ومسيحيين! 
ولكن لأن الديانات اليهودية والمسيحية ديانات توحيدية لا تقبل التعددية ولا تظهر نحو الهة الآخرين اي قدر من التسامح فقد حدث الصدام.. بدأ الصدام بين المسيحيين واليهود في محاولات مضنية للصراع على السلطة فدبر اليهود للمسيحيين المكائد وانتهى الامر بمذبحة قضت على عدد كبير منهم على يد المسيحيين. 
نرى المبشرين ورجال الدين المسيحيين في الفيلم يستخدمون اساليب ولغة هي اقرب مايكون الى السلفيين الاسلاميين وتطرفهم الفكري.. ويعمدون الى نفس الوسائل لتجنيد الشباب عن طريق غسيل المخ بغرض تحويلهم الى ارهابيين، ولا شك لدي انه ان توفرت وقتها الوسائل المتاحة حاليا لواجه العالم مشكلة تطرف وارهاب مسيحي مثل التي يواجهها الآن مع المسلمين. 
بعد ان تخلص المسيحيون من اليهود اعدائهم الالداء توجهوا نحو الوثنيين الذين برغم كونهم مازالوا صفوة المجتمع ماعادوا اكثرية ولا يملكون نفس حماس المسيحيين لالههم.. بدأ المسيحيون باستفزاز الوثنيين وسب الهتهم بشكل مستمر وتحديهم ومهاجمتهم في الطرقات برغم انهم لم يتبعوا مثل ذلك الاسلوب عندما كانوا مستضعفين.. تمسكنوا حتى تمكنوا وزاد من قوتهم تحول الامبراطورية الرومانية رسميا الى المسيحية مما اضعف وضع الوثنيين. 
سقط الوثنيون في الفخ واستفزهم سب المسيحيون لالهتهم فتصادموا مع المسيحيين وانهزموا هزيمة نكراء انتهت بدخول المسيحيين مكتبة الاسكندرية واستيلائهم عليها وتحطيم الاوثان ولكن كان إحراق كل الكتب والمخطوطات بداخلها والتي تحاول تفسير كل شئ في الكون وفك طلاسمه هو هدفهم الاعظم وذلك لايمانهم ان كل شئ موجود في الكتاب المقدس وان اي كلام عن علم او تاريخ او هندسة او فلك او الهة اخرى هو هرطقه لا تستحق الا الحرق! 
حاولت هيباشيا الهرب ببعض المخطوطات شديدة الندرة والاهمية، وبرغم كونها ملحده وتنتمي الى معسكر الوثنيين فقد ادت التوازنات السياسيه الى بقائها في الحكومه بينما اصبحت مصر الآن مسيحية بالكامل. 
ولكن بقاء هيباشيا بافكارها المناهضه للمسيحية في الحكومة لم يرق لكبير الاساقفه الذي عمل على ادانتها بالهرطقه واتهامها بممارسة السحر (وهي التهمة الجاهزه لكل امرأة تفكر) وتم اخيرا اعدامها رجما على يد الغوغاء! 
اعتقد ان كل من يشاهد الفيلم سيخرج بنتائج وملاحظات مفيدة للغاية تساعده على فهم ما يحدث الآن في العالم من ضمنها: 
ان الارهاب الديني والاصرار على فرض المعتقد بالقوة على الاخرين لم يبدأ مع المتطرفين الاسلاميين بل بدأ مع ظهور فكرة التوحيد نفسها فالاله الواحد لا يقبل ان يشاركه احد وبالتبعيه لا يمكن لاتباعه سواء كانوا مسلمين او مسيحيين او يهود ان يقبلوا مبدأ التعددية الدينية باي قدر من التسامح. 
ان المسيحية على عكس ما هو شائع لم تنتشر في مصر والعالم بالحكمة والموعظة الحسنة فقط بل كان هناك قدر كبير من الدموية والاجبار. 
ان احتقار المرأة واعتبارها كائن دوني يجب ان يخرس ويجب ان يتم تهميشه وتغطيته بصفته عورة قدم الى مصر التي لم تعرف في تاريخها مثل هذه الافكار على يد المسيحيين واليهود المنتمين الى الحضارة البدوية الرعوية الغليظة. 
ان الاعدام عن طريق الرجم بالحجارة كان جزءا اساسيا من ممارسات اليهود والمسيحيين الاوائل في تناقض واضح مع قول المسيح من كان منكم بلا خطيئة! 
لا توجد نصوص تذكر في المسيحية تحض على العنف وبالرغم من ذلك فقد مارس المسيحيون الاوائل الكثير من العنف وكان القتل باسم الرب يتم بمنتهى البشاعة! 
استمر حال المسيحية على هذا الشكل حتى تخلصت اوروبا من سلطة رجال الدين وقضت على الدولة الدينيه وعندها فقط تحررت العقول وعادت الفنون والعلوم والآداب الى التطور من جديد واصبحت المسيحية ديانة التسامح! 
كل دين معرض لنفس مثل الاحداث.. كل دين له ماله وعليه ما عليه، اتباع كل دين يصورون لانفسهم انه الحقيقة الكاملة وان كل ما قيل من قبله او من بعده هو محض هرطقة وتخاريف لا تستحق الا الحرق ويأخذون من الدين ومن كلمات من بشروا به ما يناسب تحقيق اغراضهم. 
لا توجد فكره واحده في الحياة مهما كان نبلها قادرة على تفسير كل شئ او الاجابة على كل الاسئلة، وعلى اتباع كل دين ان يراجعوا انفسهم باستمرار ليتأكدوا ان التصاقهم بدينهم قد جعلهم بشرا افضل، فلو لم يكن ذلك هو الحال فعليهم الانتباه للاخطاء التي وقعوا فيها لانه بلا شك توجد اخطاء! 

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2015

رندا شعث فى حضرة الشيخ امام

كنت صغيرة وأترك في البيت لرعاية أخوي ليالي زيارة أبي وأمي لبيوت الاصدقاء للاستمتاع بغناء الشيخ امام المحظور في القنوات 

الرسمية. حتى اليوم - كتر خير الذاكرة الجماعية، تسجيلات الكاسيت والساوند كلاود. كلماته ما زالت تحمل غضبنا وأحلامنا.

-----------------------------

قبلت الفرصة المتاحة لي لأكمل دراستي العليا في الولايات المتحدة الأمريكية. كانت أول رحلة لي أغادر فيها أرض الوطن وأبقى بعيداً عنه لمدة طويلة. غياب قد يطول لسنة كاملة قبل استطاعتي الزيارة الأولى.
أحاسيس قوية ومتشابكة لفراق الأهل، البيت، والبيت الأكبر. اختلطت مشاعر الرهبة من المجهول، الشوق، الحزن للفراق، ومن تغير الأشياء في غيابي. هالني ما يمكن فقده في غيابي. أحسست بأني أريد وداع من كونوا رموز شبابي ووعيي. أردت زيارة الشيخ إمام.

طلبت مساعدة صديقتي عزة لصداقة والدتها محسنة توفيق للشيخ وبمعرفتها مكان إقامته. انطلقنا بعد ظهر يوم إلى حوش قدم. سألنا عن الشيخ في الحارة عرفه الكل، ودلونا إلى دكان البقال الذي كان يجلس دوما أمامه. حين علم الشيخ بمقصدنا قام واستضافنا في القهوة أمام منزله. جلسنا ثلاثتنا نحتسي الكوكاكولا. لم أكتف بذلك. طلبت منه زيارة بيته. كان محرجاً للغاية من غرفته المتواضعة ولكنه وافق بعد إصراري.
صعدنا السلالم القديمة. بيته غرفتين صغيرتين ليس بهما من الأثاث سوى سرير عريض وبعض الكراسي الخشبية. ملابسه كلها معلقة على ماسورة خشبية بعرض الحائط -  بجانبها علق العود. وشباك صغير.
لحظات من الصمت العميق مرت. استجمعت شجاعتي وسألته إن كان يريد أن أصف له المنظر من الشباك. وصف لنا هو المئذنة العثمانية التي تجاوره وأضاف أنه أذن للصلاة منها في شبابه ومن جامع آخر بنفس الحي.
أفشت عزة بسري. قالت له أنني بدأت تعلم العزف على العود فأصر على إنزال عوده المعلق وطالبني بالعزف. تصاعدت الدماء إلى وجهي وأذني. لم يرهم الشيخ وان كنت متأكدة أنه أحس بتوتري. لم أكن سوى تلميذة مبتدئة. دس بالعود بين ذراعي وبدأ في توجيه النصح في مسك الريشة. جاملني  بقوله أنني بقليل من التمرين سأصبح عازفة ماهرة.
لحظات من صمت أحاطت بنا للمرة الثانية. كنت أتمنى أن يعزف هو لي. لي وحدي- أنا -أزور الشيخ إمام في بيته-أنا أودع الشيخ- أنا مسافرة وحدي- فجأة تحقق الحلم. سألني عن أغنيتي المفضلة. بتلهف طلبت أن أسمع "حلوا المراكب" وغناها لي الشيخ. بعدها غنى لي أغنيته هو المفضلة.. أغنية عشق مصفية "عشق الصبايا"! كان مبتسماً وهو يقول "شوف الحكاية يا ولة شوف الحكاية"  "عشق الصبايا يا ولة طول معايا".

بعد أن انتهى وقفنا ثلاثتنا. وقفة الوداع. حدث ما لم كنت أتخيله. استند الشيخ على كتفينا أنا وعزة. ارتعش وارتعشنا. بكى وقال "أوعوا تنسوني..أوعوا تنسوني". كانت لحظة مرعبة. لجمالها. أجبت أنا "إحنا ما نقدرش ننساك انت اللي ما تنساناش، حتوحشنا".
نزلت السلالم وقدميّ تصطك ببعضها. سافرت بعدها بيومين.

حين عدت بعد سنتين حاصلة على شهادتي، كانت أمي رحلت عن دنيانا في حادث سيارة. صرت مسؤولة عن بيت كبير وأخوين. لم أعد أستطيع أن أكمل دروس العود كما وصاني الشيخ. 

بعدها بسنوات كثيرة رحل عنا الشيخ.