الخميس، 26 فبراير، 2015

صدفة تبحث عنا .. للاديبه الصديقة حنان الوادعى



صدفة تبحث عنا..! (قصة قصيرة)
‏18 يناير، 2013‏، الساعة ‏10:29 مساءً‏


"سمعت أن الجنة هي الموقع والشهداء هم المدعوون..!! سمعت أن الملائكة هي من توزع الحلوى بمذاق الفردوس وتفرش الأرض بالحرير...هكذا تحتفي السماء بعيد مولد الطيبين..كل عام وأنتِ طيبة.."
ارتسمت على وجهها علامات الدهشة..!!

ما أجمل هذا الكلام وما أجمل هذه الباقة الكبيرة من الورد الأحمر...منذ زمن بعيد لم تتلقى بطاقة معايدة أو رسالة عبر البريد العادي..ومنذ زمن أبعد لم لم يهدها أحدٌ وردا أحمرا...!!
لماذا لم يكتب اسمه؟! لماذا لم يبعث ببطاقة معايدة على بريدها الالكتروني؟! هل جاء من الماضي قبل أن تتحول الورقة إلى شاشة والقلم إلى لوحة مفاتيح..!!

أخرجت كل رسائل الماضي لتطابق الخطوط مع هذا الخط الدافئ..
لا شيء ينطبق مع هذا الدفء..إلا قلبها..!
حاولت أن تهمل الرسالة..لا وقت لديها لحل أحجيات وألغاز..!
لكن مولدها خريفي بارد ودفء هذه الكلمات هي جُل ما يحتاجه عيد مولدٍ باردٍ كهذا..!

ابتسمت وهي تتذكر حادثة مشابهة قبل أكثر من سبع سنوات عندما وجدت بطاقة معايدة بالسنة الجديدة وعصفورين بداخل قفص أنيق ينتظرانها في الخارج مع حرس العمارة..وحتى اليوم لم تعرف صاحب العصفورين الذي ترك لها كلمات أغنية تحبها كثيرا على بطاقة معايدة جميلة..!!
ما هذه الهواية الغريبة لدى بعض الرجال..!! قبل سبع سنوات كانت لا تزال صغيرة وصاحب العصفورين لا بد أنه كان صغيرا هو الآخر، وتصرف كهذا اليوم لا يحسب على رجل ناضج...!!
هل يعقل أن يكون نفس الشخص؟! لا يمكن..لقد تأكدت من الخط عندما أخرجت رسائل الماضي لتجد هذا الخط مختلفا...ذاك مليئٌ بالشقاوة وهذا مليئٌ بالدفء والحنان...
الحنان...!!

تذكرت معاذ..
قابلته صدفة في بهو فندق قبل عشرة أيام..وتذكرت الصدفة التي سبقتها قبل سنوات..دفء حديثه وحنان نظراته تغمرك برقة..وفي المرتين..شَعَرت بدفءٍ غريب..وفي المرتين كادت أن تطلب منه اللقاء مجددا...
وفي الصدفتين..لم تطلب..!
تساءلت وهي ترشف شاي الصباح لماذا بعض الأشخاص لديهم قدرة غريبة على غمرنا بمشاعر رائعة في أقل من دقيقة؟! وحتى بعد أن يغادرونا تمر سنوات وهم جزء من الذاكرة..!!
 عندما سألها عن الجديد في حياتها منذ الصدفة الأولى وأجابته بأن لا شيء جديد وأنها تفرغت لدار الأزياء التي تملكها، هي في الحقيقة كانت تكذب، فالحياة لا تسمح بهدر وقتها دون استغلاله في ممارسة هوايتها المفضلة، تمزيقنا ثم معاودة جمعنا من جديد وهكذا حتى يفيء الإنسان إلى رشده ويموت..!!
قال تعليقا على ما سمعه منها:
- بعض الناس مشغولة حتى الصمم والعمى وفي أحيانٍ كثيرة يفقدون كل حواسهم..
سألته عن قصده:
- أقصد أن مشاعرهم تفقد حواسها..عندما نبصر بقلوبنا نسمع بطريقة مختلفة ونتحدث لغة أجمل..!
كانت تفهم ما يقول لكنها احتارت في مقصده فتنهدت بحيرة..شعر بحيرتها..ابتسم لتغرق عيناه..
رددت بداخلها وهي تتأمل ابتسامته " ما أقسى ملامحه..وما ألطف ملامحك.."
تابع محاولا شرح فكرته:
-  الخارج خريطة محدودة والداخل كون شاسع لا حدود له..
قالت له وهي تبتسم:
- تتحدث شعرا..
_ وأنت تتحدثين كلماتٍ متقاطعة...
أطلقت ضحكة ناعمة:
- ماذا تقصد؟ هل هذا إطراء أم..

قاطعها:
- إطراء بالطبع ..في الصدفة الأولى قلت كلاما ابهرني لكني لم افهمه إلا بعد فترة لذلك هو يشبه الكلمات المتقاطعة المحيرة في البداية، المنطقية في النهاية..الحقيقة إني شعرت وقتها وكأني أقف على أعتاب مغارة علاء الدين...لكنك اختفيت قبل أن تتحين لي فرصة دخول مغارتك والتجوال أكثر..
سكت قليلاً ثم أكمل:
- غبطت المحظوظ الذي عرف كلمة السر وفُتحت له المغارة قبلي..!
أحمر وجهها..لم تقل شيئا..  
كان هو من يتحدث كلمات متقاطعة هذه المرة...!
فجأة وضعت شاي الصباح من يدها على الطاولة وقفزت من مكانها..لا يمكن..!!
أسرعت نحو أحد الأدراج في غرفة نومها وأخرجت تلك البطاقة التي تركها لها ذلك المجهول مع العصفورين..تفحصت التاريخ..!
جلست على حافة السرير..يا الهي..البطاقة وصلتها بعد لقاءها الأول بمعاذ بأيام قليلة!!
وهذا الورد وهذه البطاقة وصلت أيضا بعد لقاءها بمعاذ بأيام قليلة...!!
هل كل هذا كان صدفة..!!
استعادت كل تفاصيل الحديث الذي دار بينهم في المرتين...!! ثم استعادت تفاصيل الطفولة...!!
كان جارها وهم صغارٌ ثم سافر بعيدا مع أسرته وعندما عاد سكن مع أهله في منطقة أخرى ولم تره أبدا بعد ذلك إلا في تلك الصدفة الأولى..ومن ثم هذه الصدفة الأخيرة في بهو الفندق..!!!
عندما كانوا صغارا يلعبون كان معاذ يهتم بها ويشتري لها الحلوى ومرة ضرب أحدهم لأنه أغضبها..!! تذكرت تلك المرة أيضا عندما اجبرها على دخول البيت لتغير ثوبها لأنه كان قصيراً!!!
كانا متفاهمين ومنسجمين في طريقة لعبيهما وكانت هي ومعاذ الطفلين الوحيدين في تلك الحارة اللذين يتبادلان القصص ويتنافسان من سيقرأ أكثر ومن خطه أجمل!!
نعم..صحيح..!!!
كان معاذ يحب العصافير..كيف لم تتذكر هذا!! كان والداه يشتريان له العصافير دائما وكان يتباهى بتلك الأنواع الجميلة التي يمتلكها..لم يكن يسمح لأحد من الأطفال أن يلمس عصافيره..إلا هي..!!
تاريخ بريء أودعته الحياة أرشيف ذاكرة يبدو أنها استعادت عافيتها...
لكن هل يمكن أن يتأرشف الحب؟! وهل يفوت على الإنسان أنه عاشق...؟!
الظاهر إن في حياة كل شخص منا صدفة ما تبحث عنه..!

ترى هل تحمل الموضوع أكثر من حقه! ربما كانت بالفعل صدفة محضة..هل هي بحاجة إلى قصة تشغل بها عاطفتها الفارغة..؟! لا..رجال كثيرون يمرون على حياتها كل يوم، لم يستوقفها أحد ولم ترجع يوما إلى منزلها وهي شاردة الذهن، تحس بلوعة ما تحرق قلبها وكأنه إنذار باقتراب الطوفان..! المدهش إنها لا تشعر برغبة في بناء سفينة نجاة..!!  
لا يوجد وقتٌ للتردد..الآن عليها أن تتخذ القرار قبل أن يختفي مجددا..عليها أن تجده بأي طريقة..!
كلاهما لم يجرؤ أن يترك رقم هاتفه أو حتى أن يسأل عن عنوان الآخر..في المرتين كانا يتعاملان مع اللقاء على إنه صدفة..!!!لماذا يتصنع الإنسان اللامبالاة؟!

دقت الباب..سمعت صوته يقول:
- تفضل..
..اتسعت عيناه..زفر بقوة..بارتياح..تفحصها..قال:
- أخيرا أبصرتي..
وفجأة ضاع الكلام..تسمرت في مكانها..
قام من مكانه..جلس قريبا منها..
قالت بصوت ونظرات مرتبكة:
- لقد غيرت كلمة السر...ومغارة علاء الدين خالية منذ زمن بعيد جدا..ماذا عن مغارتك؟!
تنهد بعمق وهو يلاحق نظراتها:
- مغارتي لم تُفتح بعد..لأن من يحمل كلمة سرها تاه في الطريق الخطأ..لكن يبدو لي أنه وصل أخيراً..إني أسمع وقع أقدامه خارج المغارة..هل أفتح الباب الآن؟!
لم تجب..
- أنظري إلي وأجيبيني..هل حان الوقت؟! هل أبصر قلبك وجودي؟! هل فهم أني لم أكن إلا صدفة مدبرة تبحث عنك..!!
هربت عيناها بعيدا وهي تهز رأسها بنعم..أخذ يدها ووضعها على قلبه..قال:
- إذن قولي كلمة السر..في مغارتي الكثير ينتظرك..
قالتها..
فُتح الباب..دخلت..
يا رب السموات..كل هذا الحب والحنان كان ينتظرني!!

حنان الوادعي
يوليو 6 2004
 مجلة دبي الثقافية- العدد الأول

الأحد، 22 فبراير، 2015

فى مديح صبية بهية

في مديح صبية بهية
 أحمد حسنين  2014-8-25 | 16:10

الفنانة محسنة توفيق
يرى البعض أن أعمال المبدعين ليست بالضرورة انعكاسا لأفكارهم وقناعاتهم الخاصة، والعكس -أيضا- صحيح، فلا يجب أن تكون الحياة الخاصة للمبدع أحد معايير تقييم أعماله، ربما يشكل الموسيقار الألماني فاجنر المثال الأكثر وضوحا، فمبدع الأوبرا الرومانسية "المركب الشبح/الهولندي الطائر" كان شخصا شديد العنصرية آمن بأن الحضارة الغربية في طريقها للانهيار بسبب تزاوج الأجناس الأرقي -في رأيه- مع من هم أدنى "السود"!!، رحل فاجنر وكذلك أفكاره ولم يبق سوى موسيقاه التي خلدته كأحد مبدعي الأوبرا عبر التاريخ.

محسنة توفيق المولودة في أواخر العقد الرابع من القرن الماضي، الأخت الصغرى لفضيلة توفيق  الإعلامية الشهيرة بـ "أبلة فضيلة" ويسرا توفيق التى عملت كمغنية سوبرانو بالإذاعة الإيطالية، لعبت الصدفة دورا هاما في اتجاهها للتمثيل حين اختارها الراحل عبد الرحمن الشرقاوي لتمثل في مسرحيته "مأساة جميلة" وهي لم تزل بعد طالبة في كلية الزراعة، لتقدم بعدها بعشر سنوات دورها الأهم، "بهية" في فيلم (العصفور) إخراج الراحل يوسف شاهين، "بهية" الخياطة الكادحة والتي تجمعها الأقدار بمختلف شرائح المجتمع المصري بما فيهم من حالمين وأفاقين الذين تجمعوا بشكل ما حولها، فهي رمز للروح المصرية بما فيها تناقضات، أصبح مشهد "بهية" المهزومة وهي تجري في الشارع صارخة: "لأ، أنا بهية بقول لأ، هانحارب، هانحارب" معبرا عن الإرادة الشعبية التي تقرر تحدي الهزيمة التي تسبب فيها تخاذل أولئك القابعين على كراسي السلطة.

لم يُعرض فيلم (العصفور) بسهولة بل تأجل عرضه عامين كاملين لتعرضه بالانتقاد لثورة يوليو وغيرها وتم أخيرا الموافقة على عرضه عام 73 بعد انتهاء الحرب.

اختارت محسنة الحياة خارج الحسابات الآمنة، أن تُناطح السُلطويات وتفضح مثقفيها المنبطحين، سواء عبر آراءها المباشرة أو بشكل غير مباشر عبر الفنون، أن تصارع عُهر السُلطة وتدليسها، تفضح جرائمها والقُرَح والتفسخات المجتمعية التي سببتها سنوات الفقر وغياب العدالة بأنواعها.

"من الواضح أن السلطة المصرية بحثت عن فرقة طبالين يرددون ما تريد هي قوله".محسنة توفيق لجريدة الأخبار اللبنانية عام 2006، تعليقا على سفر جمال مبارك إلى لبنان على رأس وفد ضمّ 70 شخصية فنية واجتماعية وسياسية.

"أنيسة بدوي"بنت الأصول في "ليالي الحلمية" والتي ينادونها ب"الهانم" حبا رغم أنها لم تكن ذات ثراء، المنحازة للطبقات الأقل حظا في مجتمعها، ترفض أن تكون جزءا من منظومة القهر، ترفض الظلم وإن اقترفه أقرب الناس إليها، تهاجم محاولات أصحاب رؤوس الأموال التعامل مع البشر وخياراتهم الحياتية باعتبارها سلع لها ثمن يمكن دفعه، "البشوات الجُداد" كما وصفهم الراحل أسامة أنور عكاشة في النص المبدع.

استمرت محسنة بعيدا عن الكاميرات في محاربة "البشوات الجُداد"، اليسارية التي ذُكِرَ اسمها أكثر من مرة في وثائق اليسار المصري في فترة الستينات من القرن الماضي، بما للفترة وللتيار المنتمية له من إيجابيات وسلبيات، رغم تقدمها في العمر تستمر في اهتمامها بالعمل العام، تعلن مقاطعتها للانتخابات الرئاسية عام 2005 لأنها ترى أن استمرار أي رئيس في منصبه لخمس فترات هو فعل غير ديموقراطي ولو حاولت انتخابات ما أن تُسبغ على بقائه صفة الشرعية.

دفعت ثمنا باهظا لمواقفها السياسية، أصبحت من المغضوب عليهم، جهرها بمعارضة نظام حسني مبارك جعل المنتجين يتحاشون التعامل معها، وكان دورها في مسلسل "المرسى والبحار" آخر ما عُرض لها من أعمال رغم الكلمات التشجيعية لمخرج العمل أحمد صقر وتنبؤه بأن مسيرتها الفنية ستشهد انتعاشا يعيدها للوقوف المستمر أمام الكاميرا لتخاطب جمهورها.

"ولكن لحسن حظى لم أعلق آمالاً كثيراً على كلامه وفهمت الحكاية وأن هذا العمل هو آخر عمل أقدمه". في تصريح لها لجريدة اليوم السابع عن مسلسل "المرسى والبحار".

"تُعتبر لحظة خروج الناس إلى الشارع أكثر اللحظات عمقا وأهمية لأنها تحرر الفرد من إحساسه بالخوف وشعوره بالنقص وتلافي قيمته كإنسان". محسنة توفيق في تصريح صحفي أثناء زيارة للبنان عام 2007.

"عايزة أبلغ رسالة لشعب تونس، ده عمل ثورة، ده بدأ ثورة، ما تديش رقبتك للنخب، ما تديش رقبتك لأحزاب المعارضة، الطلعة دي ما ترجعوش منها البيوت، لا تقبلوا الالتفاف عليكم بحجة الاستقرار، ما تيأسوش، ده أعظم شىء اتعمل في تاريخنا من سنين، واحنا معاكم، احنا بعديكم".أجزاء من رسالة محسنة توفيق للشعب التونسي بتاريخ 17 يناير 2011.

رغم أن الذاكرة الشعبية ارتأت أن تفصل بين الإبداع وبين الحياة الشخصية للمبدعين وآرائهم في شتى المجالات طالما نأى هؤلاء المبدعون بأنفسهم عن محاولات السُلطة بجعلهم جزءا من "بروباجاندا" تردد وتروج أفكارها، إلا أن محسنة كانت أكثر قسوة، كانت ترى أن الأغلبية من الفنانين والمثقفين المصريين خذلوا الثورة -بحسب تعبيرها- حين قرر أغلبهم ألا يكون بلا موقف خصوصا في الأيام الأولى من الثورة، كانت ترى أن 25 يناير 2011 هو "حدوتة ثورية" قام بها شباب شرُفت بأن شاركتهم مجدهم، جلست وسطهم في قلب ميدان التحرير، في قلب الكعكة الحجرية، تردد معهم كلمات الفاجومي "مصر يامه يا بهية".

في المسرحية الشعرية "منين أجيب ناس" التى ألفها الراحل نجيب سرور والتي عُرضت من خلال المسرح الجوال عام 1985 أدت دورا تحريضيا يهاجم الفساد المستشري، "نعيمة"حبيبة البطل "حسن" الذي قطعوا رأسه من أجل أن يسكتوه، في رمزية لكون "البلد" أصبحت بلا رأس، بلا عقل يفكر ويخطط، جسد "حسن" ألقوه ليتخبطه التيار لينجرف ويتعفن كحال الدولة حين تكون القرارات المصيرية تُتخذ دون تخطيط، بينما "نعيمة" حتى الآن مازالت مستمرة في بحثها عن "الناس"!.

منـيـن أجيـب نـاس .. لمعناه الكلام يتلوه!
ويقولوا مرة الحقيقة .. لـيه حـسـن قتلوه!
ونعيـمة ليه قلبـها .. ف عز الربيـع خنقوه!

تدعم ولدها الناشط السياسي "وائل خليل" وتشاركه الوقفات السياسية المعارضة قبل الثورة وبعدها، تجدها وهي في عقدها الثامن من العمر تتحرك بحماس لتشارك الشباب حدوتهم -كما وصفتها-، تحضر تكريم الأطباء والمسعفين الذين خاطروا بحياتهم لانقاذ مصابي الثورة، تشارك في حضور الفاعليات الثورية، بروح تأبى الهزيمة وعزيمة لا تلين تواصل سعيها من أجل الحرية والعدالة والكرامة.

"النظام لم يسقط حتي الآن ومازال قائم، ولكنه قائم بدون مبارك، الأبرياء يدخلون السجون ويحاكمون بينما المجرمين الحقيقيين لم يحاكموا وسوف يحصلون علي البراءة قريبا" محسنة توفيق في مؤتمر بنقابة الأطباء، ديسمبر 2011.

شاركت محسنة توفيق في تظاهرات الثلاثين من يونيو ضد حكم الاخوان المسلمين والتي أثارت جدلا مازال مستمرا حتى الآن عن كون هذه الاحتجاجات ونتائجها تشكل ردة وانتكاسة لمكتسبات الثورة، ولكن رغم الجدل السياسي كان لها موقفا واضحا من فض اعتصام أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، حيث رأت أن ماحدث هو إجرام قامت به قوات الداخلية، وهاجمت تغطية وسائل الاعلام لما حدث واصفة له بأنه "إعلام عدو"، وأبدت احترامها لاستقالة الدكتور محمد البرادعي من منصبه كنائب رئيس الجمهورية للشئون الدولية رغم اختلافها السابق معه حول العديد من القرارات. الأمر الذي أغضب مسئولي السُلطة فرغم أنهم منحوها جائزة "الدولة التقديرية" إلا أنهم عادوا ومارسوا تعنتهم المعهود فتم منع عرض مسلسل "أهل اسكندرية" في عقاب جماعي لها ولشركائها الممثلين عمرو واكد وبسمة ومؤلف العمل بلال فضل كونهم رفضوا أن يسبحوا بحمد السلطة الجديدة وتأييدها تأييدا غير مشروط.

وصفها يوما المخرج الكبير الراحل يوسف شاهين بأنها من "مجاذيب السينما المصرية"، ويبدو أنها أرادت ما هو أكثر، أرادت أن تكون من المجاذيب أمام الكاميرا وبعيدا عنها، أحد المجاذيب الذين مسهم حب الوطن.

"يشعر المثقف اليوم بالحزن. لذلك من المهم أن يلتحم بالناس الذين لا يهتمون بالسياسة أو الثقافة  وبعد ذلك سيخرج من بين هؤلاء ما يسمى ب "المثقف العضوي" الذي يستطيع التفاعل مع الآخر الذي عاش معه ذات التجربة فيتشاركا سويا في تغيير مسار المجتمع". لـ بهية، ممثلة وناشطة سياسية وشهرتها "محسنة توفيق

السبت، 21 فبراير، 2015

نص للصديقة خديجة دودى




أناياي
ــــــــ
حينما تتلاشى البدايات وتخوننا الذّاكرة نضيّع طريق العودة فنستمرّ على غير هدًى ، وهذا ما يحصل عادةً لمرضى الزّهايمر أو من يفقدون ذكرى وتمحى تماما ولا يبقى لها أثر ، تسمّرت عيناي على صورة مُبَرْوَزة كانت على مكتبي أتملّى ملامحها وأستقرئ نظراتها المتصاغرة الذّليلة و قد ثبت في قرارة نفسي أنّ هذا الوجه لا أجهله بل أعرفه تمام المعرفة فحاولت أن أتذكّر صاحبته الجميلة .
     كانت عينا المرأة في الصورة تنظر إلى شيء ما لا للمصوّر وكأنّها تشيح بوجهها عنه لتخفي أمرا ما أو صفة معيّنة لا تريدها أن تؤرّخ ، لعلّها كانت تنوي ان تتغيّر أو ربّما كانت تشعر بالسخط على نفسها كما أشعر أنا بالسخط حيالها .
فجأةً شعرت بحنق شديد فهممت بتحطيم البرواز بإلقائه بعيدا عن مكتبي ثمّ ألمّ بي حزن ماكر اعتصر ما تبقّى من دموع جفّ مستودعها واستدعتها هذه الغريبة عنّي التي كما أخبرتكم كان يزعجني حضورها بغرفتي وعلى مكتبي.
 
    همت دموعي بكرم حتى تقرّحت آماقي و آلمني ملحها في خدّيّ ، تألّمت لسبب خفيّ أجهله و استمرّ الحزن يطبق على قلبي كلما تملّيت الصورة فأشحت بوجهي جانبا ليقابلني وجهي المنعكس على المرآة وقد تملّكتني دهشة فظيعة حينما لمحت شبها بيني وبين الصورة ، بل لمحت تطابقا يكاد يجعلني أصرخ لأعترف بأن هذه هي تلك التي على المرآة ، لكن ان كانت هذه السّيدة في الصورة هي تلك التي على المرآة فمن أكون أنا ... آه ..من أكون بحق الله !!

     بكيت ليلتها حتّى غلبني النّعاس فنمت جالسة أتوسّد يدي ووجهي قبالة المرآة،  فرأيت بمنامي أنني اجري بين جدارين ثقيلين من المرايا وتلك المرأة تلاحقني ، وكلّما التفت خلفي لمحتها تركض كسيرة ، كما كانت ملامحها ، ولا ادري لماذا لم أقف و أصفعها أو على الأقل أسألها ، ما علاقتك بي فقد عجزت عن التّذكّر وكيف أن توافق وأن كنت شبيهتي ، كنّا نركض والطريق يضيق ليفضي بنا على جدار كالجدارين السّابقين وقفت أمامه ولم أستدر خلفي لأن ما ابحث عنه اراه على الحائط وقد كانت تقترب شيئا فشيئا حتى اختفت ملامحها في ملامحي عليه
واستيقظت فزعة من نومي أتحسّس وجهي وعيناي على المرآة ثم استدرت لصورتي التي كانت تذكّرني بأنا ، أنا القديمة التي تلاشى ضعفها وانكساراتها ..أناي التي ماتت منذ أمد لأتخلّق من جديد .
02_01_2015

الجمعة، 20 فبراير، 2015



نص جميل للصديقة خديجة دودى من الجزائر

 لم يكن يوما حلمي رجلا،  بل كنت دوما أحلم بحياة جميلة كما أشتهيها يؤنّقها وجود رجل ، يبعث فيها الدفء في شتاءات الايام ويكون نسائما عليلة في أوار أحداثها ، لي فيها ما يخصّني فيحترم خصوصيتي ، وله عليّ ما لي عليه.

     أحلم بحياة صاخبة بالهدوء،  نائية عن ثرثرات الأغبياء و تطفّل الغرباء. يسعدني فيها جلسة بزاوية حديقة رفقة حبيب أو كتاب لذيذ،  ومنتهى غايتي فيها أن أدق خلف كل مسمار في نعشي المقبل مسمارا في جدار الحياة ، أعلّق عليه لوحات تعكس روحي البائدة ، علّها تعلق في برزخ الخلود ، لأن الموت فجيعة... ولا يعزّيني شيء حينما أفكّر بها سوى فكرة الخلود وتجاوز وجودي الزمني لوجود فلسفي يربك النسيان فلا يطالني وان طالني فلا يكون الا شبه سِنَة ٍ .
ـــــــــــــــــــــــــ
من وحي الحمّى

الخميس، 19 فبراير، 2015

للسرير..طرف آخر!

جلس على طرف السرير...جلست هي على الطرف الآخر..صغيرة وجميلة...ساحرة في ثوبها الأبيض..غارقة فيه وفي خجلها..!
إنها لن تبادر بالكلام...هكذا تعلمت...
أقترب منها..بادر باللمس..هكذا تعلم..
جفلت...
ابتسم...
إنها غير معتادة على اللمس...هكذا تعلمت..
هو معتاد على اللمس..هكذا تعلم..
والأجمل إنه يلمس بحضارة..
يقبل بحضارة..
يعاملها بحضارة..
لم يفترسها كالوحوش البرية..
تمر الليالي..
هي تعتاد على اللمس..يتململ الجسد...يحاول التعبير..لكنه بعد لم يفهم كل هذا الحوار الجديد..
هو يتنهد..يتنفس الصعداء..أخيرا بدأ الحوار يتناغم..إنه معلم صبور ومتحضر إذا ما قارن نفسه بآخرين لا يفهمون من فن الحوار إلا لغة الهجوم والانقضاض..! لأنهم هكذا تعلموا!!
تمر الأيام..
ماذا بعد الجسد؟
كيف يعلمها تناغم الروح؟!
هذا الصمت يخنق..
يتنهد..
جسدها مستلقي على الجانب الآخر..جميل..كلها جميلة..!
لماذا كل هذا الحزن الآن..؟!
عن ماذا كان يبحث؟!  
تذكر تلك الكلمات التي سمعها...كانت رسالة من السماء..
" حوار الفكر يؤدي إلى حوار الجسد..لكن العكس مستحيل"
لم يكن حينها يريد أن يسمع...كان خائفا والوقت لا يسمح بالتفكير...لقد جرب كل شيء ومر على أجساد كثيرة..عاش الحب بكل أبعاده بكل ألوانه...لم ينجح شيء..لكن هل كان يريد لشيء من كل ذلك أن ينجح؟!! أم أنه كان يفشل ليصنع عذراً للتخلف؟! ليبرر زواجه بطريقة الأجداد! كانوا ينجحون فلماذا أنا سأفشل؟! لكن لمن كان يصنع العذر ولمن كان يبرر؟!
كان جباناً...! وما يفكر به الآن سيجعله نذلاً..! 
ظن إنه غادر عالم الحمقى أخيرا..لكن الظاهر إن الحمق له أبواب كثيرة..غادره من باب ودخله من باب آخر..!
 وهذا الجسد الممدد على السرير دفع ثمن حماقته..!! دوماً كان هناك شخصاً آخر يدفع ثمن حماقاته..!
كان عليه أن ينتظر قليلاً..أن يتمهل حتى يتوازن..!!
يتوازن..شعر بالمرارة وهو يتذكر تلك الكلمات التي رفض سلفا سماعها لأن الغرور يعمي الأبصار ويوقر الأذان.." الوقت المناسب يؤدي إلى الشخص المناسب..لكن العكس مستحيل"
لكن لماذا هو بالذات سيفشل؟! كل أصدقاءه تزوجوا قبل سنوات وهو الآن في التاسعة والعشرين..!  
لماذا تكذب على نفسك!!
هل هم ناجحون؟ هل سعد ناجح؟!

سعد الذي يمضي كل أوقاته على الهاتف المحمول يتحدث مع هذه وتلك ويعود لبيته بعد العاشرة مساءً وتمضي أسابيع قبل أن يؤدي واجباته الزوجية على مضض أو تحت إلحاح بدني بحت!!
أم بكر الغارق حتى أذنيه في مشاكل لا حصر لها لأنه قرر أن يتزوج بأخرى بعد أن غرق في الحب الذي لم يكن قبل سنوات يمثل له هاجساً ولا أهمية عندما كان إلحاح الجسد أولوية تعصف بأهمية القلب وبعد أن أدرك أن للروح حق كما للجسد قرر أن يحقق العدالة لنفسه بظلم الآخرين وأن يبني سعادته على أنقاض شخص آخر!!
أم شهاب الذي طلق زوجته أخيرا بعد أن اشترطت عليه الحبيبة الجديدة أن يطلق القديمة إذا أراد الارتباط بها..!
أم ياسر الذي لم يجرؤ أن يفعل كما فعل بكر وشهاب فأختار الحل الأسهل.. الخيانة والتي يبررها بألف حكاية ورواية..!!
أم المسكين سلمان الذي رأي أن يقدم أولاده قبل أي شيء وقرر أن يتحمل مسئولية اختياره المبكر ويتجاهل هذا الإلحاح المتأخر المؤلم لروح فارغة تتقلب في أحضان الوجع وعند ذروته لا يجد غير الانكفاء على وجعه واعتياده..وادعاء القناعة حتى لو كلف الادعاء العمر كله..!
تقلب في الفراش..
خلق الله كل المشاعر لنختبرها..لنشعرها...لتمر علينا ذات مساء..أو ذات صباح..ذات صيف أو ذات شتاء...ذات مطر..ذات غيم أو ذات صفاء..لا يهم متى..لكنها تمر..
والآن وفي هذه اللحظة من المساء يمر عليه الندم..شعور غريب..مر..!
يصحو..الفطور جاهز..يعود من العمل..الغداء جاهز...العشاء جاهز...فجأة يكتشف أن الطعام كان آخر اهتماماته..هذه السفرة العامرة الدالة على فتاة قضت كل عمرها تتعلم مهارات الطهو، لا تبهره..لا تشبع خواء روحه..

يمر اليوم كاملا..لا حوار ...لا أرض مشتركة..والانبهار بالدمية الجميلة يتضاءل مع الوقت..ينحسر خداع الذات ويكشف ببطء مخيف عن حقيقة سافرة..
لم يكن يعرف أن تلاقي الأجساد المجردة من الحب يصبح بعد فترة مؤلما هكذا؟! مملاً...رتيباً..يشبه إلى حد بعيد ذلك الإحساس القديم عندما كان يؤدي واجباته المدرسية..على عجل وبدون تركيز..فقط ليسقط الواجب من على كاهله..!!
تتناوبه الليالي أهات وتتعاقبه بقسوة..
مرر يده على جسدها النائم..
ومرر يده الأخرى على طرف السرير الخشبي..!
لا فرق في الإحساس..!
هاجمه الشعور القديم..
ما بال الهجوم هكذا شرسا؟!
تذكر مذاق الحب..
أغمض عينيه..
شعر بألم كبير..
لا لن يبكي..
لن يذهب إلى الغرفة الأخرى..ولن يغلق الباب..ولن يضم صورتها إلى صدره...لا لن ينهار كالطفل الأحمق..
لا لن يصحو فجرا في غرفة المكتب..محتضناً قميصها الأبيض..
لن يمشي ببطء حيث يستلقي الجسد...لن يقف عند الباب..
لن يبتسم بمرارة..
لم تكن تأوي إلى الفراش..كانت تأوي إلى جسده وتتغطى بروحه..والسرير كان كبيرا...لم يعرف منه إلا وسطه..
الآن فقط أدرك أن للسرير طرف آخر!!

حنان الوادعي  
سبتمبر 5 2004
نشرت في مجلة الصدى- العدد 286 
ونشرت ضمن قصص لعدد من الكاتبات اليمنيات في كتاب "يوم كان السرد أنثى" للكاتبة ريا أحمد.
  

الأربعاء، 18 فبراير، 2015

كلنا موصدون-قصة قصيرة

 كلنا موصدون للاديبه الرائعة حنان الوادعى

وأنا طفل صغير كنت دائماً أرى والدي يمسح على شعر والدتي ويقبل عينيها بمنتهي الرقة والعذوبة، وهما يشاهدان التلفزيون أو يتحدثان، لم أكن أغار على أي منهما كما يشعر بعض الصغار مثل أختي التي تصغرني بعامين، التي كانت تندس بينهما كلما سنحت لها الفرصة وهي تختلق كلاماً أو حتى بكاءً لتشغل عشقهما قليلاً وتشتت ذلك الانسجام الرائع الذي لم ينته حتى هذا اليوم!
لا عجب فبعد أن كبرت عرفت من جدي أن والدي تزوج والدتي بعد قصة حب عنيفة ومؤلمة عانى فيها والدي رفض جدي له بحجج مختلفة، لكن إصراره وعناد والدتي أثمرا في نهاية الأمر، وجدي الذي لم يكن يطيق والدي في البداية اعترف بخطئه بعد مرور فترة على زواج ابنته، بعد أن أدرك شهامة والدي ورجولته وحبه الصادق لأمي.
جدي كاد أن يبكي وهو يحكي لي كيف بره أبي أكثر من أولاده الذين هم من صلبه، بعد أن ماتت جدتي وبات وحيداً في بيت كبير لا مؤنس له، إذ أصر أبي أن يؤجر فيلا جدي وأحضره ليعيش معنا حتى توفي عندما كنت في العشرين من عمري.
هذا الحب والنبل اللذان كانا يحيطان بي ورّثا لدي رومانسية وحساسية زائدة وفي كل مرة كنت أرى فيها والدي يمسح على شعر والدتي ويقبل عينيها أختلي بنفسي في غرفتي وأتخيل لمياء بنت الجيران، أو لولو كما كان الجميع يناديها، وهي تجلس معي وأنا أمسح على شعرها الذهبي وأقبل عينيها.
هذه الشاعرية التي كنت أعيشها بكل إحساسي تحولت مع الوقت إلى نظم قصائد غزل ولوعة أقرأها في المدرسة على صديقي حسن، الذي اعترف لي بعد أن كبرنا أنه كان يسرقها ويكتبها في دفتره ثم يقرأها على حبيبته ويقول لها بأنه هو من قضى الليالي ينظم هذا الكلام لأجل عينيها..!
ضحكنا يومها كثيراً ونحن ندخن الشيشة ثم لاحظت شروده عندما بدأ يدندن أغنية كنا نغنيها معاً أيام الطفولة.. وشاركته الغناء..
حاولنا أن نغالب حزناً انتابنا فجأة وحتى لا نبكي ضحكنا مرة أخرى!
لولو ذات الشعر الذهبي رافقت طفولتي ومراهقتي وعندما كبرنا قليلاً كنت ألاحظ أن والدتي تحاول دائماً أن تبقينا في الصالون، وإذا دخلنا غرفتي لندرس تتعمد الدخول والخروج كثيراً وترك الباب مفتوحاً!
أمي لم تعرف أني لم أكن لأجرؤ على فعل أي شيء قبل أن أتأكد من مشاعر لولو نحوي، وأني كنت فقط أنتظر لحظة شجاعة بعد سيناريو شاعري أعددته منذ فترة طويلة لأعترف لها.
حتى جاء صباح مشرق بعد ليلة عصيبة بدأتها بسرقة عطر والدي ثم قضاء بقية الليلة أجرب الثياب وأحاور المرآة حتى نمت! 
أكملت كل الطقوس كما تخيلت تماماً، ودمعت عيناي وأنا أنهي اعترافي بعد أن فكرت بأن تلك الدموع كانت ضرورية لأقنعها بصدق مشاعري!
وقبل أن أمد يدي لأمسح على شعرها وأسألها إن كانت تبادلني نفس المشاعر، قامت لولو بحركة ظلت حتى اليوم تهز كياني، فقد مدت يدها الصغيرة ومسحت دموعي، تلك الدموع التي لم تكن إلاّ جزءاً من خطة طفولية للإيقاع بقلب محبوبتي..!
لم أفهم ذلك الإحساس الغريب الذي شعرت به في تلك اللحظة وكأنما طالت يدها الصغيرة جرحاً اختبأ خلف رعب طفل صغير خاف أن يحكي.. حتى لجده! وانهمرت دموعي بغزارة وأنا أضمها.
تلك الدموع كانت خارج السيناريو والحوار الذي أعددته سلفاً..!
ذهبت تلك الأيام واختفت لولو مع عائلتها التي انتقلت إلى مدينة أخرى، وكَبرتْ.. ونسيت حبيبة الطفولة.. لكن ظلت تلك اللحظة تزلزلني كلما تذكرتها..! 
التقيت أمل..
هذه المرة كنت رجلاً ناضجاً، ناضجاً بحيث لا أضطر إلى سرقة عطر والدي وقضاء ليلة كاملة أحفظ أول درس في العشق لكني كنت أبحث عن تلك اللحظة، ابحث عنها بشراهة في ملامح أمل ونظرتها وخطوتها، لكن كيف و الجرح قد كبر وصدئ وما عاد فتحه سهلاً ودموع الطفل الذي لم يتوقع لحظة حنان من يد طفلة مثله..جفت!     
أمل بهرتني.. ليس لأن شعرها كان يشبه شعر لولو وليس لأن الله متعها بجمال وقوام ساحر ولا حتى لأنها تحب الشعر مثلي، ولا لفتنة منظرها وهي تركب الخيل، بل كان ذلك الغموض والحياء اللذان يلفانها بعذوبة..
واليوم هاهي أمل، عروسي، بكل بهائها، بابتسامتها الخجولة وحيائها الذي يقتلني..
وتمر الأيام..
ثم الشهور..
كل ما فيها يلهمني شعرا.. أيُّ رجلٍ يريد أكثر؟!
كانت تحبني وتعطيني بلا حدود لكن غموضها وهذا الصمت الذي يلف حتى خطواتها ما عاد يلهمني إلا ألماً وقلقاً..!
عبثاً حاولت أن أخلق تلك اللحظة معها لكنها موصدة تماماً وهذا لا يسهل علي مهمة الصراخ عالياً والبكاء على صدرها..!
لقد مارست مع أمل كل أحلام الشاب التي تحاصره ليل نهار، وصببت عليها جام كل تلك الفانتازيا التي أتعبتني.. قبلت عينيها ويديها وقدميها ومسحت على شعرها، أهديتها شعراً ونثرت على السرير ورداً، زينت أصابعها بالماس في لحظة البدر إلى جانب البحر الذي أصررت، رغم خوفها، أن يشهد لحظة عشقية ويستر جسدينا بماء الله، استرقت منها قبلات في السينما وحملتها في الشارع بين ذراعي ودرت بها كالمجنون وأنا أصرخ كالمراهق بحبها غير عابئ بالناس حولنا، حتى السماء تواطأت معي ذات مساء عندما أمطرت فخلعت معطفي ولففت به جسد حبيبتي لأدفئها وأبرد أنا..! أيُّ شيءٍ يساوي تلك اللحظات عندما مرضت وأمل تسهر إلى جانبي، تداويني وتمسح على شعري وتعتذر لي تارة بالقبلات وتارة بالهمس والنظرات لأنها كانت سبباً في مرضي؟ لا شيء!
علمتها هواياتي، كيف ترمي.. وكيف تتسلق الجبال.. وكما تخيلت تماماً تسقط فأتلقفها بين يدي ثم أداوي ذلك الجرح في قدمها الصغير وأقبله، أستحم معها تحت ذلك الشلال، السماء والعصفور شاهدان والله وحده يحرسنا بعينه التي لا تنام..
أما الفجر فكان قصة أخرى..
كان أجمل لحظات يومي معها..وأكثرها حزناً.. شيئا لم يكن أبداً ضمن تلك الفانتازيا التي كانت تعج بها أجندتي.. كنا نصلي سوية وندعو الله.. يغمرنا وجوده.. وينساب على روحينا حباً وطمأنينة.. ثم تأتي تلك اللحظة، يحرثني ذلك الحزن بقسوة، أطالع عينيها، أرجوك.. بصيص أمل لأنفجر بين يديك، لماذا أنت هكذا موصدة..؟! افتحي لي ولو ثقبا من الأمل.. أدركي حزني..أحتاج لهذا الجرح أن يبرأ..
لقد أهدتني كل شيء إلا تلك اللحظة!
غموضها بدأ يقلق حتى رجولتي وبدأت ذهنية الفحل المتخلف تسيطر علي.. ووقعت في بئر التفاسير الخاطئة! لمَ لا؟! أنا لست إلاّ وريثاً شرعياً لكل تفسير يجعل كل أنثى في الأرض عاهرة!
حاولت أن أنسى ذلك الحلم وأمزق صورة لولو وهي تمسح دموعي! لكن كيف وخوف الطفل يطاردني، يعاتبني"كنت صغيراً يومها والآن كبرت فلمَ لا تصرخ وتبكي وتسكب مع الدموع ذلك الجرح وترميه في سلة مهملات تليق به؟ لماذا لا تأخذ حقي؟! لمَ لا تجيب اليوم على سؤال جدك عندما كنت تبكي في غرفتك وحيدا وجسدك الصغير يرتجف خوفاً؟ قل له اليوم أنا لم أرسب في الامتحان يا جدي.. أنا كنت خائفاً أن أحكي!  
شكوكي لم تفعل شيئا وتلك المشاكل التي كنت أختلقها لم تنجح في أن تُفهمها شيئاً.. كان صمتها يزيد وألمها يكبر.. كنت مدركا تماماً أني أدمر سعادتنا لكني كنت كمن فقد السيطرة على نفسه وبدأت فعلاً أصدق تلك الظنون التي صنعتها من وحي ذلك الصمت الذي لم أفهمه!
كانت أمل مع الأيام تخبو وتذبل وأنا أستعر أكثر.. أكاد أجن.. إنها حتى لا تسأل ولا تدافع عن نفسها وأنا أكيل لها كل تلك الاتهامات البشعة، فقط تنظر نحوي نفس تلك النظرات الغائمة الغامضة.
وذات ليلة وهي تكيل لي نفس النظرات وأنا أكيل لها نفس الاتهامات رفعت يدي.. كدت أصفعها.. وقبل حتى أن تصل يدي.. كانت قد وقعت..!
عندما أفاقت لم أكن بالغرفة كنت أحضر لها بيد مرتجفة كوب ماء، وعندما دخلت عليها كانت تحاول أن تنهض من السرير، وعندما رأتني أقف وكوب الماء في يدي سحبت الغطاء بحركة لا إرادية على جسدها!
كانت خائفة..مني!
أسقط في يدي..
قلت لها وأنا أضغط بيدي على صدري:
- هنا ينام جرحٌ كبير.. كنت فقط أحتاجك لتدركيه..!
وأخيراً خارت قواي.. فتحت لجرحي الباب.. فاندفع بقوة.. أغرق اللحظة..  مدت يدها ببساطة ومسحت دموعي..
يا إلهي! إنها المرة الأولى التي أرى فيها دموع زوجتي..!
أخذت يدي ووضعتها على قلبها.. قالت:
- هنا ينام جرحٌ أكبر.. كنت فقط أحتاجك لتدركه..!

 حنان الوادعي   
يناير 26 2005

نُشرت في دبي الثقافية – العدد الرابع