الخميس، 26 فبراير، 2015

صدفة تبحث عنا .. للاديبه الصديقة حنان الوادعى



صدفة تبحث عنا..! (قصة قصيرة)
‏18 يناير، 2013‏، الساعة ‏10:29 مساءً‏


"سمعت أن الجنة هي الموقع والشهداء هم المدعوون..!! سمعت أن الملائكة هي من توزع الحلوى بمذاق الفردوس وتفرش الأرض بالحرير...هكذا تحتفي السماء بعيد مولد الطيبين..كل عام وأنتِ طيبة.."
ارتسمت على وجهها علامات الدهشة..!!

ما أجمل هذا الكلام وما أجمل هذه الباقة الكبيرة من الورد الأحمر...منذ زمن بعيد لم تتلقى بطاقة معايدة أو رسالة عبر البريد العادي..ومنذ زمن أبعد لم لم يهدها أحدٌ وردا أحمرا...!!
لماذا لم يكتب اسمه؟! لماذا لم يبعث ببطاقة معايدة على بريدها الالكتروني؟! هل جاء من الماضي قبل أن تتحول الورقة إلى شاشة والقلم إلى لوحة مفاتيح..!!

أخرجت كل رسائل الماضي لتطابق الخطوط مع هذا الخط الدافئ..
لا شيء ينطبق مع هذا الدفء..إلا قلبها..!
حاولت أن تهمل الرسالة..لا وقت لديها لحل أحجيات وألغاز..!
لكن مولدها خريفي بارد ودفء هذه الكلمات هي جُل ما يحتاجه عيد مولدٍ باردٍ كهذا..!

ابتسمت وهي تتذكر حادثة مشابهة قبل أكثر من سبع سنوات عندما وجدت بطاقة معايدة بالسنة الجديدة وعصفورين بداخل قفص أنيق ينتظرانها في الخارج مع حرس العمارة..وحتى اليوم لم تعرف صاحب العصفورين الذي ترك لها كلمات أغنية تحبها كثيرا على بطاقة معايدة جميلة..!!
ما هذه الهواية الغريبة لدى بعض الرجال..!! قبل سبع سنوات كانت لا تزال صغيرة وصاحب العصفورين لا بد أنه كان صغيرا هو الآخر، وتصرف كهذا اليوم لا يحسب على رجل ناضج...!!
هل يعقل أن يكون نفس الشخص؟! لا يمكن..لقد تأكدت من الخط عندما أخرجت رسائل الماضي لتجد هذا الخط مختلفا...ذاك مليئٌ بالشقاوة وهذا مليئٌ بالدفء والحنان...
الحنان...!!

تذكرت معاذ..
قابلته صدفة في بهو فندق قبل عشرة أيام..وتذكرت الصدفة التي سبقتها قبل سنوات..دفء حديثه وحنان نظراته تغمرك برقة..وفي المرتين..شَعَرت بدفءٍ غريب..وفي المرتين كادت أن تطلب منه اللقاء مجددا...
وفي الصدفتين..لم تطلب..!
تساءلت وهي ترشف شاي الصباح لماذا بعض الأشخاص لديهم قدرة غريبة على غمرنا بمشاعر رائعة في أقل من دقيقة؟! وحتى بعد أن يغادرونا تمر سنوات وهم جزء من الذاكرة..!!
 عندما سألها عن الجديد في حياتها منذ الصدفة الأولى وأجابته بأن لا شيء جديد وأنها تفرغت لدار الأزياء التي تملكها، هي في الحقيقة كانت تكذب، فالحياة لا تسمح بهدر وقتها دون استغلاله في ممارسة هوايتها المفضلة، تمزيقنا ثم معاودة جمعنا من جديد وهكذا حتى يفيء الإنسان إلى رشده ويموت..!!
قال تعليقا على ما سمعه منها:
- بعض الناس مشغولة حتى الصمم والعمى وفي أحيانٍ كثيرة يفقدون كل حواسهم..
سألته عن قصده:
- أقصد أن مشاعرهم تفقد حواسها..عندما نبصر بقلوبنا نسمع بطريقة مختلفة ونتحدث لغة أجمل..!
كانت تفهم ما يقول لكنها احتارت في مقصده فتنهدت بحيرة..شعر بحيرتها..ابتسم لتغرق عيناه..
رددت بداخلها وهي تتأمل ابتسامته " ما أقسى ملامحه..وما ألطف ملامحك.."
تابع محاولا شرح فكرته:
-  الخارج خريطة محدودة والداخل كون شاسع لا حدود له..
قالت له وهي تبتسم:
- تتحدث شعرا..
_ وأنت تتحدثين كلماتٍ متقاطعة...
أطلقت ضحكة ناعمة:
- ماذا تقصد؟ هل هذا إطراء أم..

قاطعها:
- إطراء بالطبع ..في الصدفة الأولى قلت كلاما ابهرني لكني لم افهمه إلا بعد فترة لذلك هو يشبه الكلمات المتقاطعة المحيرة في البداية، المنطقية في النهاية..الحقيقة إني شعرت وقتها وكأني أقف على أعتاب مغارة علاء الدين...لكنك اختفيت قبل أن تتحين لي فرصة دخول مغارتك والتجوال أكثر..
سكت قليلاً ثم أكمل:
- غبطت المحظوظ الذي عرف كلمة السر وفُتحت له المغارة قبلي..!
أحمر وجهها..لم تقل شيئا..  
كان هو من يتحدث كلمات متقاطعة هذه المرة...!
فجأة وضعت شاي الصباح من يدها على الطاولة وقفزت من مكانها..لا يمكن..!!
أسرعت نحو أحد الأدراج في غرفة نومها وأخرجت تلك البطاقة التي تركها لها ذلك المجهول مع العصفورين..تفحصت التاريخ..!
جلست على حافة السرير..يا الهي..البطاقة وصلتها بعد لقاءها الأول بمعاذ بأيام قليلة!!
وهذا الورد وهذه البطاقة وصلت أيضا بعد لقاءها بمعاذ بأيام قليلة...!!
هل كل هذا كان صدفة..!!
استعادت كل تفاصيل الحديث الذي دار بينهم في المرتين...!! ثم استعادت تفاصيل الطفولة...!!
كان جارها وهم صغارٌ ثم سافر بعيدا مع أسرته وعندما عاد سكن مع أهله في منطقة أخرى ولم تره أبدا بعد ذلك إلا في تلك الصدفة الأولى..ومن ثم هذه الصدفة الأخيرة في بهو الفندق..!!!
عندما كانوا صغارا يلعبون كان معاذ يهتم بها ويشتري لها الحلوى ومرة ضرب أحدهم لأنه أغضبها..!! تذكرت تلك المرة أيضا عندما اجبرها على دخول البيت لتغير ثوبها لأنه كان قصيراً!!!
كانا متفاهمين ومنسجمين في طريقة لعبيهما وكانت هي ومعاذ الطفلين الوحيدين في تلك الحارة اللذين يتبادلان القصص ويتنافسان من سيقرأ أكثر ومن خطه أجمل!!
نعم..صحيح..!!!
كان معاذ يحب العصافير..كيف لم تتذكر هذا!! كان والداه يشتريان له العصافير دائما وكان يتباهى بتلك الأنواع الجميلة التي يمتلكها..لم يكن يسمح لأحد من الأطفال أن يلمس عصافيره..إلا هي..!!
تاريخ بريء أودعته الحياة أرشيف ذاكرة يبدو أنها استعادت عافيتها...
لكن هل يمكن أن يتأرشف الحب؟! وهل يفوت على الإنسان أنه عاشق...؟!
الظاهر إن في حياة كل شخص منا صدفة ما تبحث عنه..!

ترى هل تحمل الموضوع أكثر من حقه! ربما كانت بالفعل صدفة محضة..هل هي بحاجة إلى قصة تشغل بها عاطفتها الفارغة..؟! لا..رجال كثيرون يمرون على حياتها كل يوم، لم يستوقفها أحد ولم ترجع يوما إلى منزلها وهي شاردة الذهن، تحس بلوعة ما تحرق قلبها وكأنه إنذار باقتراب الطوفان..! المدهش إنها لا تشعر برغبة في بناء سفينة نجاة..!!  
لا يوجد وقتٌ للتردد..الآن عليها أن تتخذ القرار قبل أن يختفي مجددا..عليها أن تجده بأي طريقة..!
كلاهما لم يجرؤ أن يترك رقم هاتفه أو حتى أن يسأل عن عنوان الآخر..في المرتين كانا يتعاملان مع اللقاء على إنه صدفة..!!!لماذا يتصنع الإنسان اللامبالاة؟!

دقت الباب..سمعت صوته يقول:
- تفضل..
..اتسعت عيناه..زفر بقوة..بارتياح..تفحصها..قال:
- أخيرا أبصرتي..
وفجأة ضاع الكلام..تسمرت في مكانها..
قام من مكانه..جلس قريبا منها..
قالت بصوت ونظرات مرتبكة:
- لقد غيرت كلمة السر...ومغارة علاء الدين خالية منذ زمن بعيد جدا..ماذا عن مغارتك؟!
تنهد بعمق وهو يلاحق نظراتها:
- مغارتي لم تُفتح بعد..لأن من يحمل كلمة سرها تاه في الطريق الخطأ..لكن يبدو لي أنه وصل أخيراً..إني أسمع وقع أقدامه خارج المغارة..هل أفتح الباب الآن؟!
لم تجب..
- أنظري إلي وأجيبيني..هل حان الوقت؟! هل أبصر قلبك وجودي؟! هل فهم أني لم أكن إلا صدفة مدبرة تبحث عنك..!!
هربت عيناها بعيدا وهي تهز رأسها بنعم..أخذ يدها ووضعها على قلبه..قال:
- إذن قولي كلمة السر..في مغارتي الكثير ينتظرك..
قالتها..
فُتح الباب..دخلت..
يا رب السموات..كل هذا الحب والحنان كان ينتظرني!!

حنان الوادعي
يوليو 6 2004
 مجلة دبي الثقافية- العدد الأول