الجمعة، 25 ديسمبر، 2015

المجتمع المصرى فى ٤٠ عاما نص جميل للصديقة شيماء ابو بكر




المجتمع المصري فى ٤٠ عاما 
من مراتى مدير عام 1966 الى تيمور وشفيقة 2007 

روايتان سينيمائيتان طويلتان تحملان نفس العقدة ولكن شتان مابين الحلين فيهما .........
فهناك تناقض شديد بين مسار حل المشكلة بينهما حيث يظهر بفجاجة الانحدار الكبير فى العقلية ،  والتدهور المريع فى العلاقات المجتمعية ، والخلل البعيد فى نظرة الإنسان في مصر لنفسه ولشريكه في الحياة .
كلتا القصتين تعرض مشكلة واحدة إلا وهى العلاقة بين الرجل والمرأة عندما تكون هي اعلي منه منصبا وبالذات لو جمعهما مكان عمل واحد فكانت هى رئيسته في العمل .
في قصة مراتى مدير عام ... كان هناك بعض المواقف الكوميدية والتي تعبر عن بعض الحساسيات البسيطة من تواجد الزوجين في مكان واحد واختلاف منصبيهما ، ولكن الشاهد هنا ان الزوج  لم يطلب من زوجته ( مديرة المكان ) أبدا وحتى لم يخطر على باله  أن يطلب منها ترك العمل ، ولا هي فكرت في ذلك فقد كان المجتمع كله مجتمع عامل شاعر بذاته وبأهمية إخراج طاقات أفراده من فلاحين وعمال واطباء ومهندسين وغيرهم رجالهم و نساءهم ... ثم كان أقصى ما فعلته الزوجة المديرة  أن طلبت نقلها  (وذلك بعد موقف سيئ جدا تسبب فيه احد الموظفين عندما أتى بالزوج بالبوليس ليحضر ندوة كانت زوجته ستحاضر فيها )... وبرغم سوء الموقف إلا أن غاية ما حدث مشادة كلامية اعتذر بعدها الزوج ، ولكن فاجأته زوجته وفاجأت الجميع بطلب النقل حتى لا تحرجه .. وكانت المفاجأة الأكبر هي طلب الزوج بعدها مباشرة للنقل لنفس المكان الجديد ليستمر في العمل مع زوجته وتحت قيادتها مبرهنا بذلك على عدة أشياء رائعة أولها قوة شخصيته،  وثقته بنفسه ، وثانيها حبه الحقيقي لها وعدم غيرته منها ... وثالثها نظرة المجتمع الرائعة فى هذا الوقت المقدرة لأى كفاءة أيا كان مصدرها .

         أما في قصة تيمور وشفيقة فهناك خلل مريع جدا في أشياء كثيرة .... بدأ الفيلم بداية جيدة وكوميدية أيضا بقصة الحب الجميلة بين تيمور وشفيقة ونموهما معا حتى تخرج هو ضابطا وعمل حارسا لكبار الشخصيات .. ثم أكملت هي دراساتها العليا وبتشجيع من حبيبها حتى حصلت على الدكتوراه واحتلت منصب وزاري في سن مبكرة جدا لكفاءتها النادرة ... 
ولكن بدأت المشكلة عندما عين  تيمور حارسا خاصا لها وهذا أشعره بضآلته المتناهية أمامها !!!!!!!!!
ولكن لماذا ؟؟؟؟؟ من أين أتى بهذا الإحساس الغير منطقي ؟؟؟ من أين أتى بإحساس الضآلة ؟؟؟ أهذا إحساس صحيح؟؟؟؟ في رأيي هو شعور خاطئ نابع من عدم ثقته بنفسه ... فان الشرف كل الشرف يكمن في أن يعمل المرء عملا شريفا أيا كان ، وبالذات أن يحمى أرواح الناس كما كان عمل تيمور ، ولكنه مع ذلك لم يثق بنفسه ولم يستشعر أهمية ذاته،  ببساطة لأنه تربى وتعلم أن المناصب بمظهرها ، فالوزير يقينا أهم واعلي من كل العاملين معه والملك أو رئيس الجمهورية أهم وأعلى من كل الشعب ( و هو مبدأ خاطئ قامت ضده معظم ثورات العالم ) ففي الحقيقة ما الحكام وما الوزراء إلا مجرد خدم للشعب ، ولكنها المفاهيم المريضة الممسوخة التي أطلت برأسها على المجتمع ........ 
وتفاقمت المشكلة عندما طلب حبيبها منها الزواج مشترطا أن تترك منصبها ... فقالت له إنها كفاءة مهمة ولولا هذا ما اختاروها لذلك المنصب في تلك السن المبكرة ، ولكنه اخبرها أن رضاه أهم وان فيه غيرها كثير ممكن يمسكوا مكانها ...... فيالها من نظرة مختلفة تماما عن رؤية الرواية الأولى ( مراتى مدير عام ) والتي تباكى فيها الموظفون على رئيستهم وهى راحلة إلى مكان جديد (  وعلى لسان وكيل المصلحة الذي قال لزوجها وهو يسأل على سبب حزنهم ..إنها جنازة الهمة والنشاط  يا سى حسين ..جنازة الإخلاص والتفاني في العمل يا سى حسين .. يا نص سحس بس ) ... فمن أين أتت الأنانية وعدم تحمل المسئولية التى تحلى بها بطل قصتنا الثانية ...
ومن تكملة التسطيح الفكري فقد كان مشهد الإنقاذ الذي أنقذ فيها تيمور شفيقة من محاولة اختطاف وتسبب ذلك في إصابته إصابة بالغة وقد أدى هذا الموقف ( المهيب ) إلى تخليها عن عملها لأجله ....  و وكأن هذا ليس واجبه الذي اقسم عليه تجاه عمله وتجاه اى فرد يقوم بحراسته ؟ فهل يعد هذا دليلا كافيا على الحب ؟؟

       انتهى الفيلم على عكس نهاية نظيره الأول .. انتهى بترك شفيقة لعملها الذي كانت ناجحة جدا فيه ... عمل أفادت به بلدها وأهلها ... مع انه كان هناك فرصة لها أن تصبح زوجة ناجحة وأما ناجحة ووزيرة ناجحة  وربما رئيسة جمهورية ناجحة في نفس الوقت ......
انتهى الفيلم بما يراه ويستسيغه المجتمع الآن و الذي هو نتاج تفكير سلبي  بكل المقاييس !!
لم يستطع الرجل في (تيمور وشفيقة ) أن يرتقى ويعلو بنفسه حتى يصبح ندا ومساويا لحبيبته المتفوقة ..... وحتى لم يترك الفرصة لها ان ترتقي هي بذاتها فيرتقى هو  معها تلقائيا باعتبار الأسرة وحدة واحدة و أى نجاح يحققه احد الشريكين ينعكس بالإيجاب على الشريك الآخر حتما ... ولكن كل ما استطاعه تيمور أن يضغط علي حبيبته ويكبتها ويرجعها للخلف أميالا طويلة حتى يشعر بانتصار زائف كاذب أمام الناس ، وحتى يشعر نفسه بفرق واهم رخيص مصطنع  لأنه بالفعل لم يعلو عليها ولكن فقط نجح أن (يوطيها) ..... وللأسف فقد رضيت هي بذلك طمعا في الحب 
ولكن أى حب ؟؟؟؟ 
أيعد هذا حبا حقيقيا؟؟؟؟؟؟؟
إن الحب يا أصدقائى هو التضحية بلا مقابل .. الحب هو أن تتمنى لحبيبك أكثر مما تتمنى لنفسك .. الحب هو ألا تقف حجر عثرة أمام مستقبله وفى نفس الوقت لا تتخلى عنه أو تتركه بحجة انه أصبح أعلى منك  .... الحب هو ألا تضع العراقيل المصطنعة أمام حبيبك بسبب عقد نفسية فيك أو فى مجتمعك فتعوق تقدمه .. الحب هو أن تفتخر بحبيبك ايا كان ولا تخش نظرة أى إنسان ولا تخش في حبه لومة لائم ...
الحب هو أن تقف خلف حبيبك بكل قوتك دافعا إياه إلى الأمام .. 
فهل يا ترى أيكون الحب  من المرأة للرجل فقط  ؟؟؟؟؟ هل وجب على شفيقة أن تحب هى فقط ؟؟؟ وهل تعد تضحيتها بمستقبلها وواجبها تجاه بلدها تضحية محمودة ؟؟؟ 
والسؤال الأهم هل توقف الرجال عن الحب ؟؟؟؟  إن الرجل إنسان كالمرأة تماما من الطبيعي والبديهي أن يكون قادرا على الحب والعطاء والتضحية ......

       أى ظلم يظلمه المجتمع للمرأة عندما يعلمها أن تضحى بنفسها فتمحو كيانها و تدمر نجاحها فى مقابل ان ترضى عقد النقص عند إنسان مهزوز فاقد الثقة بالنفس ...
و أى ظلم أبشع يظلمه المجتمع للرجل عندما يعلمه أن يكون أنانيا طماعا لا يحب الخير لحبيبته ، ولا يقبل أن تحقق نجاحا أو تميزا لا لعلة حقيقية ولا لشيء إلا لإرضاء عقدة النقص والغرور عنده؟ ؟؟ انه والله لمجتمع مريض يفقد المرأة كرامتها كل يوم ، ويفقد الرجل آدميته وقدرته على الحب والعطاء كل لحظة .... فيحيلهما لمسخين معقدين  ... ومن ثم ينتقل المجتمع بأسره من تخلف إلى تخلف اكبر ، ومن تدهور إلى تدهور أبشع ... عذرا يا نساء مجتمعي ..إنكن حقا مظلومات ولكن ظلم المجتمع للرجل اكبر من ظلمه لكن .... فمن السيئ أن يربى المجتمع إنسانا بلا كرامة ولكن الأسوأ بمراحل أن يربيه كائنا منزوع الآدمية .....

ملحوظة ( كويس  اوى ان شفيقة لم تستمر وزيرة كتير لأنها بالعقلية دى كانت هتجيبنا ورا اكيد واحنا مش ناقصين)

الأحد، 6 ديسمبر، 2015

حكايات المندرة جزء ٢ للصديقة العزيزة رندا شعث



.......

ظ


بيت المندرة 

        جدتي رأت جدي مرة واحدة قبل الزفاف. كان صديقا لأخيها، مدرس مثله في نفس المدرسة. "كان مثل القمر" تؤكد لنا جدتي فاطمة لليوم. " روحوا شوفوا صورته في الصالون، كان أحلى من الملك فاروق". سكنا لفترة قصيرة في حي كامب شيزار ثم انتقلا مع أمي صفاء بكرتهما إلى الصعيد خلال الحرب العالمية الثانية.هناك ولدت خالتي هناء. إلى أن نُقِل جدي لمدرسة الأميرة فايزة بالإسكندرية، فقرر شراء أرض واسعة وبناء بيت لعائلة كبيرة خطط لها.  اختار المندرة لأنها الأقرب للمدينة من حي المعمورة الموحش بالذئاب والضباع . صحراء رملية لم يكن بها سوى بعض   مساكن خشبية لقضاء الصيف مملوكة لعائلات إيطالية ويونانية ويهودية، وقليل من ثكنات الجيش الإنجليزي. سكنوا وقد أصبحوا خمسة بعد ولادة خالتي زكاء،  غرفة خشبية لأربع سنوات. ولد فيها خاليّ أحمد وفاء ومحمد بهاء. باعت جدتي كل ذهبها لاستكمال البناء. وعدها جدي بالتعويض ولم يف بوعده. أصابه مرض السرطان ولم يكمل عامه الخامس والأربعين. مات بعد خمس سنوات من انتهاء بناء البيت، تاركا لها ستة أبناء بين سن الثالثة عشر والثالثة،  وتوأماً حسين وحسناء لم يريا النور بعد. أصبحت فاطمة أم صفاء كما كانوا يلقبونها أرملة في الواحدة والثلاثين من عمرها.
  
       على مدار السنوات تستعيد لنا جدتي حكايتها. كيف ربت ثمان أطفال وحدها بمعاش جدي الضئيل. كيف أدخلتهم المدارس ثم الجامعات، الملابس التي تخيطها وتعيد حياكتها لتلائم الأصغر سناً. كم من الأيام صامت حتى يكفيهم الطعام. كعك العيد الذي بيدها تعجنه وتخبزه حتى في ذلك العيد الذي مات أباهم قبله. ما ذنبهم؟  كانت تردد.."يكفي حزني أنا."
 
      ولكن تيتة فاطمة التي عرفناها كلنا لم تكن أبدا إنسانا حزينا. امرأة مليئة بالنشاط والنكتة. تطعمنا جميعا أبنائها وقد تزوجوا، وأحفادها الذي بلغ عددنا واحد وعشرين في الأعياد والمناسبات. حديقتها الغناء بالنخيل وأشجار الكافور والجوافة والزيتون وتكعيبة العنب والدجاجات والحمامات مترعا لألعابنا. تخيط ثياب اللعب لنا ولدمانا من نفس الأقمشة.تقنع أمهاتنا بأن نطيل فترة السماح باللعب مع أولاد الجيران وتسرب لنا السندوتشات أثناءها. تتحايل معنا في السهر على الفيلم العربي المذاع في التلفزيون من وراء ظهر أمهاتنا بعد الساعات المسموحة للسهر. الأمر الذي جعلنا نتعاطف معها في التحايل لأكل الحلويات والأيس كريم من وراء أوامر الأطباء بعد إصابتها بالسكري. 
 
      وضعت حقيبتنا الصغيرة في الغرفة البحرية. لم تزل مكاني حين أذهب وحدي لزيارة جدتي في الإسكندرية. مفروشة حتى اليوم بجهازها المودرن عام 1937. نفس الخزانة بضلفاتها الثلاث العريضة، ومراياها بالداخل. نفس الأدراج للملابس المطوية،ومعها زجاجات العطر الفاخر للمناسبات، وبين ثناياها بعض النقود. نفس التسريحة بصندوقها الزجاجي يكشف عما بداخله؛ خفين من البلاستيك الرخيص للوضوء. ونفس السريرين الخشبيين الذي كان أحدهم لجدي والثاني لجدتي، وان كان يغطيهما الآن بدلا من الألحفة القطنية بطانيتين حمراويتين مصنوعتان من الألياف الصناعية. ينقصها كومودينو واحد وضعته جدتي في غرفة الضيوف. وأبقت على الثاني بجانب سريرها. وضعت فوقه ساعة منبه بلاستيك، زرقاء اللون، تذكرها بموعد الدواء. تحتفظ لي جدتي بقميص نوم صيفي أزرق، وآخر شتوي أصفر اللون، ومنشفة مقلمة أحمر بأبيض،لاستعمالي في زياراتي المتقطعة. بعد أن تزوجت صارت تفرش لنا السرير المزدوج في غرفة خالي بجانب المطبخ. فرشها خالي حسين لاستعماله حين يزورها. أثاث حديث لا أشعر تجاهه بأية ألفة. أشعر هناك بغربة. أما الليلة، فقد سمحت لنا تيتة بالمبيت في غرفتي البحرية. بعد أن شاخت، صارت تنام طوال الشتاء في الغرفة القبلية. أقبلها قبل النوم، تحتضنني. تسألني عن بقية الأساور الذهبية "هل بعتهما؟" 

الباب 

لبيت المندرة ثلاثة أبواب صاروا اثنين على مرور الزمن وخوف تيتة بعد أن صارت وحدها وتزوج الكل ورحلوا. بقي الباب البجري والباب القبلي. 
 
انت فين يا تيتة؟
انت كنت فين؟
في الجبل 
بتعملي ايه؟
بادفس رجليا في الرملة الساقعة
 
حنفطر ايه النهاردة؟
انا قاليه لكم طعمية جميلة - وبيض ومحوشالكم القشطة بتاعة اللبن كله
لا عايزين سد الحنك
طب اعملكم بيض؟
سد الحنك
 
تعالوا يا ولاد عمو نبيل حيلعبنا لعبة البحث عن الكنز
 
حاسبوا يا ولاد الزرع تكسروه. انا لسه زارعة شوالي جديدة
 
ياللا يا ولاد السمك جاهز
 
الفرع ده بيتي أنا
والفرع اللي فوق ده بيتي أنا
لا أنا
يا عم شجرة الكافور كبيرة روح شوف لك فرع تاني
 
الحقي يا تيتة رامي وحمادة بيضايقوا الكلب
وعمرو بيصطاد عصافير
 
"فين الكحك يا تيتة؟"
مفيش كحك. لسه فاضل عالعيد خمس أيام
والنبي يا تيتة. طب هاتيلي كحكاية واحدة
طب حاقولك مكان الصفيحة بس ما تقوليش لحد - مخبياها في البوفيه ورا الاطباق الصيني
مين نازل معانا نعيد على أختي وبعدين أبلة روحية؟
 
قبل ما تمشي ما تنسيش البطة اللي انا جايبهالك - انا حاطةهالك في الفريزر
والكحل يا تيتة؟
عاملة لك حبة صغيرين وما لقيتش علبة حطيت هوم لك في مكحلتي النحاس بتاعة جهازي خليها عندك
 
النهاردة حندكر النخل تعالي صوري
تعرفي تطلعي النخلة كده
ياللا جربي انت مش كنت بتتشعبطي عالتوتة والكافورة
 
 
احنا بنفضي البيت عايزة منه ايه؟ عارفين انك بتحبي المراية
 
انت ناكشة شعرك كده ليه
يا تيتة حدوتة ست الحسن والجمال اللي كنت بتحكيها  لي قولتيلي شكلها كده
انا قلت كده؟
اه وقولتيلي الشاطر حسن حيحبني



خارج المندرة
 
        قضيت أعواما لا أعرف من الاسكندرية إلا المندرة وشاطئها. كبرت قليلا وأوكلت لي مسؤولية استلام حصة جدتي من التموين من دكانة الادكاوي، أو الوقوف بدلا منها في طابور الجمعية على البحر التي في الطريق اليها كنت أمر عبر شارع مردوخ والتلصص بين أبوابها الحديدية الى السينما القديمة ثم المرور على الطاحونة في الطريق ذهابا وايابا. ثم شراء الجرائد ومجلة سمير من ناصية شارع نعمة. قبل ذلك كنت أقود مسيرة الأطفال حاملين فوانيس رمضان طمعا في الحلوى. عبر الرمال البيضاء في حذا السكة الحديدية حتى بيت خالي تركي بالقرب من محطة القطار.
 
         نخرج من المندرة في صحبة أبي وأمي فقط. لزيارة جدتي سميحة في وابور المياه. أو الى وسط البلد للشراء. نمر دائما بمحل جوبالديس الهندي للمصوغات في شارع صفية. كان صديقا للعائلة. كنت أمل من الجلوس في محله. مظلم ومليء بالأفيال العاجية والخشبية. كان يغغشي بصري نور النهار في الشارع حين نخرج. أفرح بزيارة زميل دراسة أبي سمير ووالدته الكريمة. كان عندهم بيانو كبير في غرفة الجلوس ويسمح للطفلة باللعب على أصابعه مهما كان مزعجا طمعا في أن يعزف أبي ويريحهم مني. والرحلة الأهم كانت لحضور فيلم في سينما مترو أو سبنما أمير يتبعه دائما عشاء في مطعم ايليت.

        ستظل ذكرى تجربة حضور فيلم 'الزلزال' حاضرة في ذاكرتي انا وابن خالتي خالد. صيف   ١٩٧٧ بطولة  تشارلتون هيستون و آفا جاردنر. لأول مرة كانت دور السينما التي تعرض الفيلم مزودة بسماعات ضخمة لتعضيد احساس اهتزازات الزلزال. انتظرنا دورنا في سينما مترو ولكن الفيلم كان للكبار فقط. دخلت أنا في صحبة والدي ومنعوا دخول خالد. كنت في الرابعة عشر وهو يصغرني بعام. لم تفلح تحايلات أبي. اضطرت تيتةفاطمة العودة به الى المندرة بالترام. يدعي خالد أنها كانت لحظة فارقة في حياته اضطر من بعدها حتى اليوم اقناعي دوما أنه ناضجا كفاية وفهيم.

       اول مرة أبيت في اسكندرية في فندق - خارج نطاق العائلة كان أثناء تصوير فيلم المهاجر. كان عمري واحد وثلاثين سنة. نزل العاملين في الفيلم أيام تصويره في المينا في فندق ويندسور قبل تجديده. نزل المخرج في فندق سيسيل. كان أعجب شيء بالنسبة لي في تلك اللحظة اني مقيمة في فندق في الاسكندرية بعيدا عن المندرة مع زملاء عمل. لم أستطيع أول يوم التركيز في فخامة  التجربة ونالني منها أول صرخة استنكار وتوبيخ من "الأستاذ" حين بحلقت في البحر ولم أنتبه الى عملي.


 
فستان الفرح

        تزوجت متأخرة وعمري الرابعة والثلاثين في عرف عائلتي التي تزوج فيها أمي وأبي في سن الواحد والعشرون. واخوي كذلك. كانت أمي رحلت من سنوات بعيدة. تبنتني كل أمهات العائلة وقد وضعت كل منهن لنفسها دورا في التحضير للعرس. عمتي نهى أرسلت رغما عني أعداد مهولة من قمصان النوم الحريرية، خالتي رواء قامت بتنجيد المراتب والمخدات في الاسكندرية وأرسلتهم الى منزلي الجديد بشاحنة نقل صغيرة. لم تنسى أن تنجد لي لحافا مثل الذي كنا ندير معارك الزغزغة تحته في الغرفة البحرية في بيت تيتة. زوجة خالي عصمت قضت أيام معي تخيط لي الملاءات وأغطية المخدات. خالتي حسناء تولت كعكة العرس.

         أما فستاني الذي كنت أريده خاصا يجمع بين رموزي الكثيرة: رمز مصري وفلسطيني وأمريكي ومعاصر! قررت أن يكون القماش من حرير أخميم وأن يطرز بالنقوش الفلسطينية وان يكون اللون الازرق حاضرا وأن يكون تصميمه معاصرا. بعد أن اشتريت القماش ذهبت به لمقر اتحاد المرأة الفلسطينية ولم تنجح محاولتي اقناعهن بفكرتي. تمخض ذهني أن تقوم خالتي زكاء بخياطته وكانت مشهورة بإجادتها فن الخياطة، وأن تطرزه عمتي ميسون. الاثنتان ترددتا من المسؤولية وخافتا من التجربة خاصة ان خالتي تقيم في الاسكندرية وعمتي في القاهرة. ولكني نجحت في اقناعهما. وقد كان. عمتي تطرز قطعة في القاهرة وأذهب بها الى الاسكندرية لتقصها وتخيطها لي خالتي في المندرة. بعد ثلاث رحلات مكوكية ذهبت الى الاسكنرية أسبوعا قبل العرس للبروفة الأخيرة. وفي حديقة تيتة كان حفلا راقصا كالعرس احتفالا بانتهاء الفستان.
كان فستاني رائعا موشى بالحب في كل غرزة.
 
 
2003

      أتذكر أن أرتدي قرطي الذهبي وسوارين وخاتم قبل مغادرة المنزل. جدتي تحكم على حالتنا المادية واستقرارها بهم. أضع حقيبة ملابسي التي كبر حجمي عليها، وأكياس المكسرات والفواكه المجففة التي اشتريتها لها من بيروت، ونسخة من كتابي الجديد في صندوق السيارة. ننطلق أنا وزوجي بسيارتنا وسط زحام خروج التلاميذ من مدارسهم إلى الإسكندرية.

     تغيرت المدينة ومداخلها. قرر توم أن نجرب الطريق الدائري الجديد الذي يصل الطريق الصحراوي بالمدينة من الشرق. ذلك أقرب إلى المندرة، حيث بنى جدي بيته عام 1941 من الدخول عبر وسط المدينة. منطقة السيوف تعج بسكانها في الشوارع الضيقة مع اقتراب موعد الإفطار. بائعو الخبز، والفواكه، والتمر، ومشروب التمر هندي ينادون لآخر فرصة للشراء وسط زينات وفوانيس معلقة بين المباني وعبارات على الحوائط كثيرة تؤيد حركة حماس الفلسطينية.
نصل عند انطلاق المدفع تماما. جدتي وخالاتي الأربعة في انتظارنا بلهفة. المائدة عامرة احتفاء بنا: ملوخية وأرز وبطة، فتة دجاج بالمكسرات، بسلة بصلصة الطماطم، ورق عنب محشو، سلطة خضراء. ولم تنس جدتي بالطبع صحن المسقعة- أكلتي المفضلة-ووضعته بأكمله أمامي.
تدللني جدتي وخالاتي. يرفضن عرضي لتنظيف المائدة وتحضير الشاي. أتجه لغسل يدي عبر صالة الجلوس، مرورا بالرواق المظلم الطويل إلى الحمام الخلفي.
 
       الحمام في طفولتي كان ثلث حجمه الآن. في ضيق ذات اليد، أجّرت جدتي نصف المنزل لأقارب لها. كان حماما ضيقا معتما بدائيا. به نافذة صغيرة مستطيلة تطل على الحديقة الخلفية وأقفاص الحمام والدجاج والأرانب. تدخل فيه أمي الوابور أولا لتدفئته،وبعدها لتسخين ماء للاستحمام. تجلسني أمي على كرسي خشبي صغير، وتسكب على جسدي الصغير الماء من خليط دافئ في وعاء نحاسي كبير. يتصاعد البخار  ويخفي كل شيء
    أعود إلى العائلة المجتمعة حول صينية الكنافة. خبزتها خالتي هناء وحشتها باللوز والزبيب. كل ركن في البيت دافئ، يبعث ومضات ذكرى حميمة.
 
        كنا نقضي في بيت جدتي عطلة نصف العام الشتوية وطوال أشهر الصيف. أنام دائما في الغرفة الشتوية ذات الشباكيين والأرض الخشبية. ما زالت حتى اليوم، تحوي أثاث زفاف جدتي. خزانة كبيرة ذات أضلاف ثلاثة، بمرآة طويلة داخل بابيها. تسريحة بأدراج وصندوق زجاجي ومرآة ورف صغير لأدوات الزينة. طاولتين صغيرتين بجانب سريرين متوسطي الحجم، أشارك خالتي الصغرى في النوم عليه. في أيام الشتاء الباردة،طالما لعبنا معا لعبة الزغزغة حتى تضيع لسعة البرد الأولى تحت اللحاف.  كثيرا ما حكت لنا تيتة أن جدي هو الذي أصر على شراء سريرين رغم اعتراض العائلتين. كان يرتاح للنوم وحده. حين كبرت أنا قليلا، كانت تضيف خجلة أنه كان يزورها في سريرها ثم يعود للنوم وحده في سريره. 


مهجور

       بيت المندرة مهجور. بعد بداية الثورة حلت موجة من الفوضى. بيوت كثيرة هدمت بدون تصريح وعمارات قبيحة بنيت بدون تخطيط. صباح يوم اكتشفت خالتي زكاء قيام مقاول بدق عواميد أساسات ضخمة  تكفي أربع عمارات  داخل حديقة البيت. حاولت افهامه أن هذه أرض العائلة وأنهم يبنون فوق حديقة المنزل. أوقعوا السور والأربع نخلات البلح السماني وأكملوا بناء. أظهروا لها أوراق من الحي تفيد أن هذه الارض تقع على شارع عمومي. أوراق مزيفة  والشارع المدعو ينتهي ويسد طريقه عمارة عشوائية أخرى. كانت منذ سنوات أكلت الجبل الرملي وأوقعت السور البحري وشجرة الكافور. بيت عمر أبو علي الذي كان فيه شجرة التوت بيع منذ سنوات ومكانه عمارتين شاهقتين. حرمنا سنوات من الشمس والهواء والنخلات، البيت محاصر بعمارات شاهقة من جميع الاتجاهات. وأخيرا تسرق الحديقة. خالتي أبلغت القسم وكتبت محضرا. والعمارات الأربع تعلو بسرعة. الحل الوحيد كان أن نأتي ببلطجي أقوى من البلطجي الذي سرق الارض ليهد ما بني. لكن لم يتوفر لأحد رقم تليفون لبلطجي قوي. 
حاولنا الاحتفال بالعيد فيما تبقى من أرض الحديقة لكن صوت آلات البناء كانت عائقا. لم نجتمع عيدين فاتوا. وبدأت أصوات أفراد العائلة مطالبة ببيع البيت والأرض.

      عمرو ابن خالتي هناء اشترى بيتا بحديقة وحمام سباحة في كنج مريوط وقرر لم شملنا عنده هذا العيد. بدأ اليوم مبكرا بفول وطعمية وعيش بلدي جاؤوا مع المبكرين من الاسكندرية. امتلأ المكان سريعا بأطفال العائلة وبضحكاتهم وبالبالونات والمحبة. افترشوا الكراسي والحشيش وحمام السباحة هم وعلب الترمس والكحك والبسكوت والفول سوداني. 
ابنة خالتي حسناء الصغرى كاريمان تحضر لعرسها الشهر القادم. التف حولها البنات والخالات وهن يحضرن طعام الغذاء ناصحات ومناقشات الزواج وسبل نجاحه وفشله. ابن خالتي هناء خالد جاء وعائلته من أمريكا. قرر استكمال رحلة الطيران الطويلة من أمريكا بطيران حتى برج العرب خوفا مما يسمعه عن حالات "التثبيت". وصلوا قبيل الفجر. لم يمنعه عناء الرحلة الطويلة من مناقشة حال البلد. العائلة تضم الاسلاميين والناصريين والكنبة. اجتمعوا كلهم على التشاؤم من الحاضر والمستقبل. 
هربت منهم حين بدأت مناقشة بيع البيت. ذهبت لألعب مع الاطفال. ثلاثة أجيال حاضرة. تيتة فاطمة كانت تفخر أنها شهدت على أجيال أربعة. رحلت قبل أن تشهدهم يبيعون بيتها.
     
       يباغتنا المغرب. يتوقف الهواء برهة. يبدأ البعض في الرحيل. قبلات وأحضان ووعود بلقاء قريب. تستغرق وقتا ممتدا. تظلم السماء ثم تشع بنور نجوم متناثرة

......

      اليوم ذكرى أخي علي الثانية. نذهب أنا ورامي ورنوة والطفلين لزيارته في مدافن العائلة بالاسكندرية . أحاول أن أنفي للطفلين أنه "هنا" ,أؤكد انه معنا في كل مكان يبتسم ويدعو لنا. بالرغم من ذلك يغني له الصغير أغنية تعلمها في الحضانة. دعتنا خالتي حسناء للغذاء في بيتها - فقد سلم بيت تيتة لمالكيه الذين سيهدمونه الاسبوع الماضي. تدعو أيضا بقية الخالات وأبنائهم. تسلمني خالتي ارثي من البيت. المراية التي أحبها. "علقيها في بيتك، حين تنظرين اليها سترين الجميع فيها يبتسمون لك. ربما تسمعين ضحكاتهم أيضا".

http://na3ema.blogspot.com/2015/07/blog-post_49.html الجزء الاول 

السبت، 5 ديسمبر، 2015

هالة وحكاياتها ،، تدوينات جميلة للصديقة هالة محرز



هو المسيح جراله ايه ؟؟؟

     .....واحنا عايشين ف ايرلندا الشمالية....ولادي استضافو مايكل عندهم ف البيت كانوا كلهم عندهم اربع سنين او خمسه...بس بقي مايكل قضي عندنا اليوم وانا بقي باوصله عند أهله ف اخر اليوم....سايقة بقي وكده...مايكل: المسيح اتصلب!!....عيالي: لا يا مايكل انت غلطان ...المسيح طلع عند ربنا!!!...اخ...ليه كده؟...ف سري طبعا....وانا قافشة ف الدركسيون ومطنشة خالص....عيال بقي ...وسيبيهم ياهالة يهلفطوا...مايكل وصوته علي: انا باقولكم المسيح اتصلب!!!...مامتي قالت لي كده!!!...عيالي الاتنين : لا لا هو عند ربنا ....هو ماتصلبش ومامتش ..مامتنا قالت لنا كده!!!!!.....هو راجع تاني........اوبااااااا....وانا بقي باصفر ولسه برضو قافشة اكتر واكتر ف دريكسيون العربية....ومقررة أطنش خالص...عيال ويهلفطوا مابدالهم.....ل حد ماحصلت الطامة الكبري...او الكابوس....عيالي قرروا يستشهدوا بيه!!!!....مامي...هو المسيح اتصلب ومات والا لا....؟!....ايه ياجماعة؟!...فيه ايه بس؟!....وانتو مال اهلكم بالمواضيع دي دلوقتي؟!....ومع إلحاح السؤال....اضطريت اجاوب....انا : مايكل....هو انت مامتك قالتلك ايه؟....مايكل:...المسيح اتصلب ومات.....انا: هو ياحبيبي اتصلب...ومات طبعا....عيالي طبعا انزعجوا جداً....قلتلهم استنوا عليا بس...انتو مامتكو "اللي هو انا"...قالتلكم ايه؟!...عيالي: المسيح ماتصلبش واترفع عند ربنا....قلت لهم بالظبط هو لا اتصلب ولا حاجة..هو اترفع عند ربنا...smile emoticon..كل واحد يصدق مامته وفكوني انا من ام الأسئلة دي....تمام كده؟!...المسيح اتصلب عند مامة مايكل...واترفع عند مامة فرح ونديم....هو ف الحالتين مش موجود يقولنا حصل له ايه....كل واحد يصدق مامته وخلاص...أبوكم ع اللي جابوكم كلكم....ليه الأسئلة الصعبة دي....

بسمك ربى 
لما سافرنا دبي....قررت ان العيال لازم يتعلموا كويس....كويس عدل يعني.....انا بأحب استثمر ف التعليم.......العلام أحسن شئ....والعلم سلاح وكدهون.....دخلت ولادي مدرسة عظيمة مشهود لها جامد اوي خالص يعني...قلت الواحد مش عارف ح يعرف يكمل مصاريف المستقبل والا الزمن مخبي ايه!!....المدرسة دي كانت بقي عليها تحذيرات كده اخلاقية انها مدرسة فاكة ومختلطة!!....ومتسيبة فيما عدا التعليم!!...او دي السمعة اللي كانت طالعة عليها!!...من خبرتي العملية ماكانتش كده خالص.....المهم ساعتها قلت مش مهم.... ده حاعرف اتصرف فيه...ابنك علي حسب ماتربيه....الحكاية دي حصلت لما نديم ابني كان ف أولي ابتدائي....أحب أعرفكم علي نديم ابني .....نديم ده بقي قمة الالتزام كله.....ابو وأم واخت الالتزام يعني.. انت ماعليك لو طبعا عندك سلطة "authority"....ب لغة كومبيوتر زمان....كوماند.....انتر....خلاص....كده لبس نديم.....-)....المهم دخلت بالليل احكيله حدوتة قبل النوم...بعد ماخلصت الحدوتة.....نديم راح فجاة وبحركة عصبية ...وبسرعة وتجهم اتقلب علي جنبه اليمين!!.....وراح قايل.... بِسْمك ربي ....وضعت چنبي "بتعطيش الجيم" وبك ارفعة!!.....انا : تصبح علي خير ياحبيبي......نديم: تصبحي علي خير يامامتي.....انا حلو؟!....انا : ايوة ياحبيب ...انت حلو علي طول....انت أصلا قمر.....نديم وهو مديني ضهره : لا انا بأسأل انا حلو أني قلت الكلام ده؟!....انا: كلام ايه ياحبيب؟!.....نديم وهو لِسَّه مكشر: انا نايم علي جنبي اليمين وبأقول باسمك ربي وضعت چنبي وبك ارفعه!!!!...انا: ايوة ياحبيبي ....حلو ....كلام جميل....مادام انت مبسوط انك بتقوله....نديم : طيب انا لازم أقوله تلت مرات!!!...انا: ميجراش حاجة يانديم قوله تلت مرات......نديم: وان....بِسْمك ربي .....للاخر!....تو : مره تانية....ثري: تالت مره!!!!!....انا حلو تاني؟!....انا: ايوة ياحبيبي حلو جدا جدا خالص يعني ل حد السما....نديم : ممكن أسالك سؤال؟!....انا: اتفضل....نديم: طيب ممكن اقعد الاول؟!....انا: ايوة ممكن تقعد ياحبيبي....انا أصلا مش عارفة انت مديني ضهرك ليه وبتكلمني!!.....نديم: المدرس قال كده!!!....انا: المدرس قالك إدي ضهرك للناس؟!.......نديم : يووووه يامامتي!!!....لا المدرس قال نام علي جنبك اليمين وقول كده!!!!....انا: طيب ياسيدي خلاص...ممكن تقعد.....نديم: أوكيه يامامتي....وقعد نديم ف السرير وقالي....مامي ....هو مين كرنبي ده ؟!......انا: كرنبي؟!..كرنبي ايه؟!....كرنبي مين؟!.....نديم: .ده اللي احنا بنقوله!!!...انا: احنا بنقول كرنبي؟!.. انا مش فاهماك يانديمو الحقيقة!!!......نديم بقي زهق وقالي مش احنا بنقول"بِسْم كرنبي....وضعت چنبي وبك ارفعه"!!!!.....انا عايز اعرف مين كرنبي ده؟!....هه؟....هه؟؟؟....مين كرنبي يامامتي؟!....يانهار طين؟!....كرنبي يانديم؟....وتلت مرات....وجنبي اليمين....والفيلم ده كله؟!....كرنبي!!...هيا دي بقي المدرسة الفاكة اللي عليها تحذيرات؟!!!!!!....ياخسارة فلوسك وشقي عمرك ياهالة ف التعليم.....ال كرنبي ال.....طيب يانديمو....روح بقي نام ومتقلش آيتها شئ ف البيت ده من اللي المدرس ده بالذات بيقول عليها إلا لما تسألني الاول !!!......كرنبي؟!...هاهاها....هوهوهوهو.....هيهيهيهيهي .....يالهوي......Nadeem Talaat

الحمام 

وانا ف أواخر حملي كده قررنا نوضب حمام البيت !!!!....محدش يسال ليه!!...انا لو اعرف أقول......:)....هو مكنش أواخر حملي اوي....كان الشهر السابع....المهم يعني كنت ف أواخر الحمل ده ومعنديش حمام وباشتغل....حياخد أد ايه الحمام ده ياجماعة؟!.....قالك اسبوعين...النهاية... ولدت  ف التاسع.... والأسبوعين بقو شهرين!!..تلاتة....والعمال حضرتك ف البيت...:-)..رجعت البيت بعد الولاده بقي انا وفرح....والعمال!!!...ومن غير حمام..!!..كنت قاعدة محبوسة ف اودتي اغلب الوقت...وباقابل العمال ف الطرقة...:)....العمال دول ادركو تماما ان ده مش اي منظر يعني حد ح يطبخ والا حتي يعملهم شاي!!!.....انا الحقيقة عملت اللي عليا....وريتهم مكان الحاجات ف المطبخ من اول يوم وقلت لهم اللي ياكل علي ضرسه وكده...اديكو شايفين العيلة علي أيدي يعني منك له.....ولما تعملوا شاي أبقوا اعميلولي معاكو...:-)...اشتريتلهم فطار طعمية وفول مره.....ف تاني يوم عملوا شاي وخبطوا عليا ناولوني كوباية شاي تقيل ب سكر كتير....مش فتلة يعني.....:)...الأغاني كمان كانت ع الكيف.....انا اجيب محطة الأغاني وهيا تشتغل من غير ماحد يفرض ذوقه.....احنا كلنا عبيد الراديو.....:)...المهم بقي مره كنت مضطرة اخش الحمام  ف ركبوا قاعده التواليت   عشان الزنقة....سبت فرح ف الاوده....طلعت م الحمام لقيت واحد فيهم شايل فرح!!!....ومبتسم جدا....يانهار اسود.....ياوقعة!!!....ده الراجل ملطخ بوية علي إسمنت !!!.....باظ الطقم الشيك للأبد!!!...اتاريه وانا  ف الحمام سمع فرح بتعيط ....صعبت عليه دخل الاوده وشالها.....:-)....قالي انا متأسف يامدام دخلت اودة حضرتك لان فرح كانت بتعيط!!....وفرح نايمه ف حضنه مستكينة  تماما...المنظر الحقيقة كان جليل....اكبر من خوفي ان واحد شكله متوسخ كده وشايل اول بيبي ليا.....يعني بيبي معقم...:)...بس شكل فرح كان مطمن....واعتبرتها من الوقت ده مساعده كبيرة جدا....ربنا بعتهالي....خد والنبي يامحمد العيلة علي ايدك شوية علي بال ما أخرط البصل وكده الله لايسيئك....:)....بلاهو الحمام اصلا.....:)...حد بيشيل فرح  ويساعدني وابقي كمان مطمناله!!!...كنز....الأيام اللي بعد كده ماكانوش يبدأوا شغل الصبح من غير مايتصبحوا ب وش فرح!!!....مش بس كده....بداوا كمان يشتريولي غدا معاهم علي حسابهم!!!...وكله عشان خاطر فرح...:)...وانا عليا بقي المخللات او اي شئ م التلاجة موجود.....:-)...ده غير الشاي...:).... وبعد ما كنت متضايقة من وجودهم ف البيت والحمام والتنضيف وكده....وحشوني بعد ماخلصو ومشيوا...والبيت فضي عليا ومحدش اصلا لا شال فرح ولا عمل لي شاي...:-)...ولا جابلي كباب طبعا اصلا ...:-)....أحب أضيف طبعا ان شغلهم ف الحمام كان زي الزفت....مفيهوش اي فن او إتقان اصلا خالص.....بس برضو وحشوني....:).......بلاه الحمام....تاني...:)...ذكريات

ايفيلين 
وصحيت الصبح علي خبط ع الباب.....فتحت الباب....لقيت ايڤيلين جارتي....ايڤيلين: انا افتكرتك موتي!!!!....ليه بس يا ايڤيلين يا اختي كده ع الصبح!!!!....الناس ملافظ!!!.......لا ياستي اديني عملتلك مفاجاة ولسه عايشة....:-(...لو يريحك يعني اموت نفسي معنديش مانع!!....ايڤيلين : اصلك مخبطيش عليا بقالك يومين....انا: معلش يا ايڤيلين يا اختي كان مودي مش ف أحسن حالاته والنوم حلو ف الأيام دي...وتعبانة م الشغل كالعاده.....ايڤيلين: طب إنتي كويسة....انا: اه الحمد لله....ايڤيلين: طب ممكن تساعديني وتشليلي الشنطة ل حد الجراچ!!!...انا؟!....شنطة؟!.....أوكي  ماشي يا ايڤيلين ....حاضر ياستي.....لو مستعجلة ممكن انزل بالبيجاما......عداني العيب أهو!!!!!! وانفتحت ايڤيلين ف وشي....انا مش قادرة اشيل الشنطة....انا: ليه يا ايڤيلين؟!....مانتي اللهم لاحسد بتتنططي طول النهار ولا شابه عندها عشرين سنة!!....ايڤيلين: انتو فاكرين نفسكو مش حتكبروا؟!....انا عندي ٧٦ سنة!!...الشباب "اللي هو انا...:-)"....مش فاهم يعني ايه الواحد جسمه يخذله.....احنا مش عايزين منكو حاجة!!!!!....قدروا موقفنا طيب!!!!....احنا تعبانين!!!!...انتو مين يا ايڤيلين وانتي لابسالي بنطلون بمبي كده ع الصبح!!!....إنتي زي الفل...واحنا مين الشباب ده؟!.....بصي بقي....وخلصيني من ام اليوم ده......اللي إنتي عايزاه حاعمله.....ماشي؟!.....ايڤيلين: إنتي عارفة انك لو ساعدتيني ....لما تكبري وتبقي أدي ح تلاقي ناس تساعدك؟!!!....انا: ايوة عارفة كده كويس....سلف ودين...ايڤيلين: طب إنتي عارفة أني مبقتش اعرف اطلع السلم؟!....انا: لا مش عارفة....لأنك بتتنططي ف العمارة طول النهار....ايڤيلين: طب احنا قاعدين بنتكلكم بقالنا نص ساعة ومعزمتنيش علي كوباية قهوة؟!....انا :قهوة ايه ياماما اللي حاعزمك عليها....إنتي أصلا معاكي مفتاح البيت!!!!....وبعدين انتبهت فجاة ....واتنرفزت الحقيقة....هيا مالها شغالة تلطيش ف اللي جاوبوني كده علي ام  الصبح؟!!!!!!....وبابص لايفلين لقيتها وشها متنرفز واحمر زي الدم.....ولسه قاعدة تتخانق....وانتبهت فجاة....دي بتتخانق مع روحها....مش معايا انا!!!......قلتلها ايڤيلين تعالي عندي....والا أقولك بلاش ...قبل ماتتزرزري ....انا حاجيلك....ورحت  رايحة عند ايڤيلين واخدتها  ف حضني......راحت معيطة.....:-(...البني آدم مننا خيخة...:-(

خالتي
كان عندي خالة اتعلمت الصلاة علي كبر....وهي بتقرا الفاتحة كانت بتقول "اهدنا الصراط المستكين"!!!!...لا ياست انتي اسمه المستقيم....مش المستكين!!!!!وفشلنا كلنا نقنعها انه المستقيم ....المستقيم....فاهمه؟....تقول طيب ماشي...وترجع تاني للمستكين بتاعها!!!.ده قران يا اختي مستقيم يعني مستقيم ما بنحورش احنا....كانت بترد تقول مستكين يعني من الاستكانة....والحنية والهدوء....مستقيم ده يعني ايه؟!!.مابنسالش يا خالتي....دي آيات قرآنية مستقيم يعني مستقيم ....مش ح نالف احنا!!!!....ولأنها كانت متهورة وعنيدة... ف فضلت تقول اهدنا الصراط المستكين وهي بتصلي الخمس صلوات!!!!...او يمكن مش عند....يمكن يكون فهمها كده وخلاص.....الله يرحمك يا خالتي ...وحشتيني.....ياريت بقي وانتي هناك تبلغينا مستقيم والا مستكين والا مش فارقة؟!...

للحكايات بقية 

الجمعة، 4 ديسمبر، 2015

نص للصديق السيد الدمياطى عن الازهر ......والشكر موصول للصديق عاطف صباغ


١- لماذا جعلوا الأزهر..شريفا...
بدا الأزهر مسجدا ثم أصبح الجامع الأزهر ثم الأزهر الجامعة ثم صار جامعا وجامعة وشريفا..فكيف كان وكيف أصبح؟
 لولا ظروف تاريخية بعينها لكان المسجد الأزهر كأىّ مسجد آخر فى الديار المصرية..فقد أنشأه الإستعمار الفاطمى لمصر حتى يكون بوق دعاية سياسية للسلاطين الفاطمية ومذهبهم الشيعى عام ٩٧٠ميلادية "د.سيّد القمنى.فى كتابه: شكرا بن لادن.بتصف "...وبزوال الإستعمار الفاطمى وعودة العباّسى السنّى وصراع العبيد والرقيق المصطلح على تسميتهم بالمماليك والمستجلبين من بلاد الترك والديلم والألبان  على الحكم فى مصر وعلى السلطان..تمكّن العبد المملوك الظاهر بيبرس من حكم مصر عام ١٢٦٠ميلادية ولمّا كان فى حاجة سريعة إلى مسجد يدعو له ويضع لحكمه المشروعية(الشرعية.الشرعية) قام بإعادة فتح المسجد الأزهر مرة أخرى لنفسه كى يتمّ فيه الدعاء له كحاكم شرعى بإسم الإسلام عبر مشايخه الأزاهرة وجعل منه الجامع الأول الرسمى فى البلاد والمتحالف مع السلطة السياسية على نفس المنوال القديم والمستمر(نفس المصدر)..ثم جاء إلى البلاد إحتلال آخر بإسم نفس الإسلام أيضا هو الإحتلال العثمانى عام ١٧٦٠ميلادية ذلك الإحتلال الذى كان مؤرَّقا بنفوذ وقوّة المماليك الذين بنوا مساجدهم لأنفسهم يُدعى لهم فيها ليل نهار مثل مسجد قلاوون وبرقوق وغيرهما.ممّا إضطرّ العثمانيين إلى إصدار فرمان سلطانى بتحويل المسجد الأزهر إلى المؤسسة الدينية الأولى فى مصر وإعلانه المسجد الرسمى التابع للسلطنة مباشرة ويُدعى فيه للسلطان العثمانى فقط ، تم ذلك بعد مائة وخمسين عاما من بدء الإحتلال..فأقيمت له مشيخة ذات تراتب وظيفى عُيّن على رأسها أول شيخ رسمى للأزهر هو الشيخ الخراشى..وأظنّ من هنا جاء النداء والإستغاثة بقول(يا خراشى) مثلما جاء من بعد يا عدوى زمن الخديوى إسماعيل وإن كان للعدوى شأن آخر. المهم.حُدّدت وظيفة الخراشى بالولاء للسلطان.مرّة أخرى.الوظيفة هى الولاء للسلطان.ثم تنظيم أمور المسجد والإشراف على أوقافه ورئاسة مشايخه لتمكين السلطان من إستخدام الدين للسيطرة على البلاد فى مواجهة التمرّد المملوكى الدائم.نفس المصدر السابق..
 وعند دخول الحملة الفرنسية إلى مصر شارك المسجد الأزهر فى مناهضتها لأن البلاد أرض السلطان لكن نابوليون أدرك أهمية هذه القيادات الدينية فأشركها فى ديوان الإدارة الذى أسسه لإدارة شئون البلاد ومن بين هؤلاء المشايخ من كتب قصائد الشعر الغزلى المكشوف غراما وصبابة فى ضباط نابوليون
 وعيونهم الزرقاء وشعورهم الذهبية".د.القمنى.نفس الكتاب".ثم جاء الإنجليز ليحتلوا مصر بعد الفرنسيس والأزهر على حاله ومكانته...إلى أن قامت حركة الضباط الأحرار فبدأ عهد جديد للأزهر أكبر إتساعا وسطوعا وإرتفاعا ولم يتوقف منذ ذلك الحين..وهكذا تقلّب الأزهر ما بين الشيعى والسنى والمملوكى
 والمملوكى والعثمانلى والفرنسيسى والبريطانى والملكى المحافظ والثورى والرجعى والتقدمى والإشتراكى والرأسمالى والوسطى والتطرفى منذ بدأ  حتى أصبحت مشيخة الأزهر تتمّ بالتعيين من رأس السلطة السياسية منذ الضباط الأحرار وأصبحت مهمّته الأساسية هى تبرير توجّهات الجهاز الحاكم 
 السياسية مقابل منح وأعطيات ومقامات رفيعة مثل لقب الإمام الأكبر إضافة إلى قوانين ببعض السلطات منذ عام ١٩٦١م مقابل سكوت الأزهر عن القوانين الإشتراكية بل ودعمها وتأسيسها فى جذور الإسلام نفسه التى تتسع لكل تبرير وذلك جنبا إلى جنب مع الحشد الغنائى والفنى والإعلامى لتأكيد الدينى..
 وفى الغد سنظلّ مع الأزهر وشرفه وقوانين مزاياه...شكرا لدكتورنا العظيم د.سيّد القمنى.شكرا بن لادن 

 (٢) هل الأزهر ضمن المعلوم من الدين(بالضرورة)؟وهل الأزهر(ضرورة)؟..لقد نصّ القانون رقم ١٠٣لعام ١٩٦١م على حقّ الأزهر فى البحث فى الدراسات الإسلامية مع تجديد(لاحظوا تجديد) الثقافة الإسلامية وتجريدها(نعم تجريدها) من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسى والمذهبى(هكذا فى القانون)!!
 مع توسيع نطاق العلم بها وتحقيق التراث الإسلامى ونشره(فهل تمّ ذلك أو بعضه؟؟)..لكنّ الإبهام العام فى القانون وفى فقرة محدّدة فيه كان هو السند للأزاهرة فيما بعد..خاصة فى الفقرة التى تتحدث عن بيان الرأى فيما يجدّ من مشكلات مذهبية وإجتماعية تتعلّق بالعقيدة..تلك الفقرة التى تعنى فى الحقيقة إمكانية فتح باب الإجتهاد لا غلقه نهائيا كما حدث.لأنهم إعتبروها بالتأويل وكأنها تعنى أن الأزهر وحده هو صاحب الرأى الملزم فى تقدير الشأن الإسلامى بفرض رقابته على المصنفات الفنية والثقافية فى المجتمع المصرى "د.القمنى.نفس الكتاب.".ثمّ تكرّر تضخّم الأمر مرّة أخرى عندما أطلقالرئيس السادات(غفر الله له) يد الأزاهرة والمتأسلمين المتشدّدين والمتطرّفين فى كلّ ساحات مصر تمهيدا لقبول الصلح مع إسرائيل والإنصياع للغرب.إقتصادا وسياسة.فقام بتوسيع فقرة الشريعة الإسلامية فى الدستور لتصبح المصدر الرئيسى للتشريع لا مصدر رئيسى فقط.فأضافت الألف واللام إلى جسد مصر المنهك والمتهالك آلاف الأوجاع والآلام والتى مازلنا نعانى منها وسنظلّ إلى أن نفيق من الأوهام..وعندما منح النظام لشيخ الأزهر المعيّن بواسطته  لقب الإمام الأكبر أصبح وكأنه صاحب الرأى فى كلّ ما يتّصل بشئون الإسلام بل هو المسئول عن الإسلام فى الأرض.فتحوّل الأزهر بهذا إلى فاتيكان  الإسلام كما تحوّل الإمام الأكبر إلى باباه...وممّا يؤكّد تضخّم الأزهر بدءا من حركة الضباط الأحرار وما بعدها أنه قبلها كان فى كلّ أنحاء مصر..
 سبع مدارس أزهرية إبتدائية وثانوية فى كلّ ربوع وأصقاع مصر تحت لقب مفخّم هو المعاهد الأزهرية.فتأملوا.سبع مدارس فى كل مصر.فى زمن بقايا الدولة الحديثة التى أسسها محمد على(الألبانى) لكنها بقدرة قادر أصبحت الآن(إحصاء ٢٠٠٤) تزيد عن ستة آلاف معهد إضافة إلى حوالى ثلاثمائة معهد عال للعلوم الدينية وحدها مع عدم تبعية ذلك كله لوزارة التربية والتعليم على الإطلاق!!! وبلغ عدد تلاميذ المراحل قبلل الجامعية مليونا ونصف المليون(٢٠٠٤).تمّ إحتضانهم جميعا فى عمليات عسكرة فى معسكرات أبى بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب الصيفية!! كما تمّ تحويل الأزهر من جامعة لاهوتية إلى جامعة.كاملة لكل ألوان العلوم الدنيوية.هندسة.طبّ.علوم.صيدلة.عمارة.تخطيط.وخلافه..إضافة إلى ثلاث عشرة كلية لها فروع فى المحافظات..والشرط الوحيد... للقبول أن يكون الطالب مسلما فقط(ولا عزاء للمواطنة وتكافؤ الفرص والدستور)..ممّا أنتج لمصر آلافا من الخرّيجين موزّعين على مؤسسات الدولة تمّ تشكيلهم على أساس عنصرى طائفى بامتياز تام..وعدا هذا الشرط لا شروط أخرى.فمصروفات ما قبل الجامعة فى المعاهد الازهرية جنيهان!! وفى الجامعة خمسة جنيهات(صحيحة) فتأملوا يا ناس ويا أهل الوطن ويا أصحاب المال!! مع إمكان الإنتقال إلى إمتحان الدور الثانى بأربع مواد رسوب إضافة إلى القرآن
 وهكذا ضمّ الأزهر جميع الفاشلين علميا ليلقنهم فنون التطرف والعنصرية والطائفية ليخرّج لنا فى كل عام إثنى عشرة فى المائة من نسبة خرّيجى التعليم فى مصر كلها مشكّلا بهم بنيته التحتية ومليشياته العسكرية وقت الحاجة..شكرا" بن لادن..د.سيّد القمنى"

تنويه  التاريخ المذكور فى النص وهو١٦٧٠م هو تاريخ صدور الفرمان السلطانى بتبعية الأزهر رسميا للسلطان العثمانى ليدعى له فيه حصريا.، اما تاريخ الاحتلال فكان ١٥١٧.

الخميس، 19 نوفمبر، 2015

نص للصديق خالد طلعت عن هيباشيا الفيلسوفه والعالمة الرياضية السكندريه


شاهدت امس فيلم Agora واعتقد ان كل انسان في مصر وفي العالم ومن كل دين وعرق لابد ان يشاهده! 
اجورا يحكي قصة هيباشيا الفيلسوفه والعالمة الرياضية السكندريه الهيلينيستية الاصل صاحبة الابحاث والاكتشافات الرياضية والفلكيه المذهله! كانت هيباشيا ملحدة لا تؤمن بدين اجدادها ولا بالالهة المصرية ولا باله المسيحية التي بدأت تصبح ديانه هامه في مصر وفي الاسكندريه بالتحديد عاصمتها التي ظلت متألقة بعد افول نجم الامبراطورية الرومانية التي كانت مصر جزءا منها وقت اذاك! 
وبصفتها احد اعضاء المجتمع البارزين وجزء من الحكومة المصريه عملت هيباشيا على تهدئة الصراعات الدينيه بين الوثنيين (عبدة الهة الرومان والاغريق والمصريين القدامى) وبين المسيحيين واليهود، وهي الطوائف الثلاثة الكبرى التي استوطنت الاسكندرية ذلك الوقت! 
يلقي الفيلم الذي يلتزم الى حد كبير بالمعلومات التاريخيه الضوء على انتشار المسيحية في مصر وهو يصلح كمثال جيد لانتشارها في باقي الإمبراطورية الرومانيه.. صحيح انتشرت المسيحية اوليا باسلوب التبشير والمحاورة والاقناع وتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين واعلاء القيم المسيحية الخ.. ولكننا نرى اخيرا ان الصورة لم تكن وردية! 
كان الوثنيون من جميع الخلفيات (مصرية فرعونية، يونانية هيلينستيه، رومانية) يعيشون في سلام ووئام وهارموني ويعبدون الهتهم التي تمكنوا من ضمها جميعا الى نفس المعبد.. وكما هي عادة الديانات الوثنية من محاولة الضم والدمج عوضا عن التصادم ضمت مدرسة هيباشيا الفلسفية كل الفئات من وثنيين ويهود ومسيحيين! 
ولكن لأن الديانات اليهودية والمسيحية ديانات توحيدية لا تقبل التعددية ولا تظهر نحو الهة الآخرين اي قدر من التسامح فقد حدث الصدام.. بدأ الصدام بين المسيحيين واليهود في محاولات مضنية للصراع على السلطة فدبر اليهود للمسيحيين المكائد وانتهى الامر بمذبحة قضت على عدد كبير منهم على يد المسيحيين. 
نرى المبشرين ورجال الدين المسيحيين في الفيلم يستخدمون اساليب ولغة هي اقرب مايكون الى السلفيين الاسلاميين وتطرفهم الفكري.. ويعمدون الى نفس الوسائل لتجنيد الشباب عن طريق غسيل المخ بغرض تحويلهم الى ارهابيين، ولا شك لدي انه ان توفرت وقتها الوسائل المتاحة حاليا لواجه العالم مشكلة تطرف وارهاب مسيحي مثل التي يواجهها الآن مع المسلمين. 
بعد ان تخلص المسيحيون من اليهود اعدائهم الالداء توجهوا نحو الوثنيين الذين برغم كونهم مازالوا صفوة المجتمع ماعادوا اكثرية ولا يملكون نفس حماس المسيحيين لالههم.. بدأ المسيحيون باستفزاز الوثنيين وسب الهتهم بشكل مستمر وتحديهم ومهاجمتهم في الطرقات برغم انهم لم يتبعوا مثل ذلك الاسلوب عندما كانوا مستضعفين.. تمسكنوا حتى تمكنوا وزاد من قوتهم تحول الامبراطورية الرومانية رسميا الى المسيحية مما اضعف وضع الوثنيين. 
سقط الوثنيون في الفخ واستفزهم سب المسيحيون لالهتهم فتصادموا مع المسيحيين وانهزموا هزيمة نكراء انتهت بدخول المسيحيين مكتبة الاسكندرية واستيلائهم عليها وتحطيم الاوثان ولكن كان إحراق كل الكتب والمخطوطات بداخلها والتي تحاول تفسير كل شئ في الكون وفك طلاسمه هو هدفهم الاعظم وذلك لايمانهم ان كل شئ موجود في الكتاب المقدس وان اي كلام عن علم او تاريخ او هندسة او فلك او الهة اخرى هو هرطقه لا تستحق الا الحرق! 
حاولت هيباشيا الهرب ببعض المخطوطات شديدة الندرة والاهمية، وبرغم كونها ملحده وتنتمي الى معسكر الوثنيين فقد ادت التوازنات السياسيه الى بقائها في الحكومه بينما اصبحت مصر الآن مسيحية بالكامل. 
ولكن بقاء هيباشيا بافكارها المناهضه للمسيحية في الحكومة لم يرق لكبير الاساقفه الذي عمل على ادانتها بالهرطقه واتهامها بممارسة السحر (وهي التهمة الجاهزه لكل امرأة تفكر) وتم اخيرا اعدامها رجما على يد الغوغاء! 
اعتقد ان كل من يشاهد الفيلم سيخرج بنتائج وملاحظات مفيدة للغاية تساعده على فهم ما يحدث الآن في العالم من ضمنها: 
ان الارهاب الديني والاصرار على فرض المعتقد بالقوة على الاخرين لم يبدأ مع المتطرفين الاسلاميين بل بدأ مع ظهور فكرة التوحيد نفسها فالاله الواحد لا يقبل ان يشاركه احد وبالتبعيه لا يمكن لاتباعه سواء كانوا مسلمين او مسيحيين او يهود ان يقبلوا مبدأ التعددية الدينية باي قدر من التسامح. 
ان المسيحية على عكس ما هو شائع لم تنتشر في مصر والعالم بالحكمة والموعظة الحسنة فقط بل كان هناك قدر كبير من الدموية والاجبار. 
ان احتقار المرأة واعتبارها كائن دوني يجب ان يخرس ويجب ان يتم تهميشه وتغطيته بصفته عورة قدم الى مصر التي لم تعرف في تاريخها مثل هذه الافكار على يد المسيحيين واليهود المنتمين الى الحضارة البدوية الرعوية الغليظة. 
ان الاعدام عن طريق الرجم بالحجارة كان جزءا اساسيا من ممارسات اليهود والمسيحيين الاوائل في تناقض واضح مع قول المسيح من كان منكم بلا خطيئة! 
لا توجد نصوص تذكر في المسيحية تحض على العنف وبالرغم من ذلك فقد مارس المسيحيون الاوائل الكثير من العنف وكان القتل باسم الرب يتم بمنتهى البشاعة! 
استمر حال المسيحية على هذا الشكل حتى تخلصت اوروبا من سلطة رجال الدين وقضت على الدولة الدينيه وعندها فقط تحررت العقول وعادت الفنون والعلوم والآداب الى التطور من جديد واصبحت المسيحية ديانة التسامح! 
كل دين معرض لنفس مثل الاحداث.. كل دين له ماله وعليه ما عليه، اتباع كل دين يصورون لانفسهم انه الحقيقة الكاملة وان كل ما قيل من قبله او من بعده هو محض هرطقة وتخاريف لا تستحق الا الحرق ويأخذون من الدين ومن كلمات من بشروا به ما يناسب تحقيق اغراضهم. 
لا توجد فكره واحده في الحياة مهما كان نبلها قادرة على تفسير كل شئ او الاجابة على كل الاسئلة، وعلى اتباع كل دين ان يراجعوا انفسهم باستمرار ليتأكدوا ان التصاقهم بدينهم قد جعلهم بشرا افضل، فلو لم يكن ذلك هو الحال فعليهم الانتباه للاخطاء التي وقعوا فيها لانه بلا شك توجد اخطاء! 

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2015

رندا شعث فى حضرة الشيخ امام

كنت صغيرة وأترك في البيت لرعاية أخوي ليالي زيارة أبي وأمي لبيوت الاصدقاء للاستمتاع بغناء الشيخ امام المحظور في القنوات 

الرسمية. حتى اليوم - كتر خير الذاكرة الجماعية، تسجيلات الكاسيت والساوند كلاود. كلماته ما زالت تحمل غضبنا وأحلامنا.

-----------------------------

قبلت الفرصة المتاحة لي لأكمل دراستي العليا في الولايات المتحدة الأمريكية. كانت أول رحلة لي أغادر فيها أرض الوطن وأبقى بعيداً عنه لمدة طويلة. غياب قد يطول لسنة كاملة قبل استطاعتي الزيارة الأولى.
أحاسيس قوية ومتشابكة لفراق الأهل، البيت، والبيت الأكبر. اختلطت مشاعر الرهبة من المجهول، الشوق، الحزن للفراق، ومن تغير الأشياء في غيابي. هالني ما يمكن فقده في غيابي. أحسست بأني أريد وداع من كونوا رموز شبابي ووعيي. أردت زيارة الشيخ إمام.

طلبت مساعدة صديقتي عزة لصداقة والدتها محسنة توفيق للشيخ وبمعرفتها مكان إقامته. انطلقنا بعد ظهر يوم إلى حوش قدم. سألنا عن الشيخ في الحارة عرفه الكل، ودلونا إلى دكان البقال الذي كان يجلس دوما أمامه. حين علم الشيخ بمقصدنا قام واستضافنا في القهوة أمام منزله. جلسنا ثلاثتنا نحتسي الكوكاكولا. لم أكتف بذلك. طلبت منه زيارة بيته. كان محرجاً للغاية من غرفته المتواضعة ولكنه وافق بعد إصراري.
صعدنا السلالم القديمة. بيته غرفتين صغيرتين ليس بهما من الأثاث سوى سرير عريض وبعض الكراسي الخشبية. ملابسه كلها معلقة على ماسورة خشبية بعرض الحائط -  بجانبها علق العود. وشباك صغير.
لحظات من الصمت العميق مرت. استجمعت شجاعتي وسألته إن كان يريد أن أصف له المنظر من الشباك. وصف لنا هو المئذنة العثمانية التي تجاوره وأضاف أنه أذن للصلاة منها في شبابه ومن جامع آخر بنفس الحي.
أفشت عزة بسري. قالت له أنني بدأت تعلم العزف على العود فأصر على إنزال عوده المعلق وطالبني بالعزف. تصاعدت الدماء إلى وجهي وأذني. لم يرهم الشيخ وان كنت متأكدة أنه أحس بتوتري. لم أكن سوى تلميذة مبتدئة. دس بالعود بين ذراعي وبدأ في توجيه النصح في مسك الريشة. جاملني  بقوله أنني بقليل من التمرين سأصبح عازفة ماهرة.
لحظات من صمت أحاطت بنا للمرة الثانية. كنت أتمنى أن يعزف هو لي. لي وحدي- أنا -أزور الشيخ إمام في بيته-أنا أودع الشيخ- أنا مسافرة وحدي- فجأة تحقق الحلم. سألني عن أغنيتي المفضلة. بتلهف طلبت أن أسمع "حلوا المراكب" وغناها لي الشيخ. بعدها غنى لي أغنيته هو المفضلة.. أغنية عشق مصفية "عشق الصبايا"! كان مبتسماً وهو يقول "شوف الحكاية يا ولة شوف الحكاية"  "عشق الصبايا يا ولة طول معايا".

بعد أن انتهى وقفنا ثلاثتنا. وقفة الوداع. حدث ما لم كنت أتخيله. استند الشيخ على كتفينا أنا وعزة. ارتعش وارتعشنا. بكى وقال "أوعوا تنسوني..أوعوا تنسوني". كانت لحظة مرعبة. لجمالها. أجبت أنا "إحنا ما نقدرش ننساك انت اللي ما تنساناش، حتوحشنا".
نزلت السلالم وقدميّ تصطك ببعضها. سافرت بعدها بيومين.

حين عدت بعد سنتين حاصلة على شهادتي، كانت أمي رحلت عن دنيانا في حادث سيارة. صرت مسؤولة عن بيت كبير وأخوين. لم أعد أستطيع أن أكمل دروس العود كما وصاني الشيخ. 

بعدها بسنوات كثيرة رحل عنا الشيخ.

السبت، 24 أكتوبر، 2015

دبوس انذار مبكر . الاديان فى خطر بين صراع السيف والفيس !!! بقلم الصديق حكيم الخولى




.دبوس إنذار مبكر ..

الأديان فى خطر ..بين صراع السيف والفيس ...؟

بقلم / حكيم الخولى 

...

( كل مافى المدينة من رجل و إمرأه ؛ من طفل وشيخ ؛ حتى البقر و الغنم و الحمير بحد السيف ) 1 * ..

هكذا إنطلقت الديانة اليهودية الى فضاء التاريخ و قامت ببناء عقيدتها و فلسفتها منذ عام 586 ق.م ..

..

( لا تظنوا أنى جئت لألقى سلاما على الأرض ، ماجئت لألقى سلاما بل سيفا ) 2 *..

و هكذا إنطلقت الديانة المسيحية الى فضاء التاريخ وقامت ببناء عقيدتها و فلسفتها منذ عام 30 م ..

..

(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون ) 3 *..

وهكذا إنطلقت الديانة الإسلامية الى فضاء التاريخ وقامت ببناء عقيدتها و فلسفتها منذ عام 622م ..

..

(كل البشر يولدون أحرارا ومتساوين بالكرامة والحقوق ويتميزون بعقول وضمائر وواجبهم التعامل مع بعضهم البعض بروح الأخوة) 4 *..

وهكذا إنطلقت وثيقة الإعلان العالمى لحقوق الأنسان منذ عام 1948م ..

..

طب إيه المشكلة ياعم  ..؟

المشكلة يانجم ..هاتكون فى الصدام القادم لامحالة بين قطار الأديان و قطار الحداثة على ممر التاريخ ..

يعنى إيه الكلام ده ..؟

تعالى نشوف الفيلم ..يمكن نعرف  ..

...

الحداثة تدق بمنجانيق القوة المادية الحسية و تقذف بالحمم و كرات اللهب على قلاع الأديان - سماوية كانت أو أرضية - ..

الأديان تقاوم بشراسة قائمة على إيمان مطلق غيبى تاريخى عددى مؤيد بقوة وسحر النص والتراث المقدس ..

...

الحداثة تمتلك جيش جرار مكون من قادة وزعماء و علماء و باحثين و دارسين و موهبين و متميزين و نابغين و مبدعين و محترفين و حالمين و طموحين و متهورين و طامعين و غاصبين و منحلين و كثير من المجانين و النصابين  ..

الأديان تمتلك جيش جرار مكون من الأنبياء و المرسلين و الحاخامات و القساوسة و الرهبان و المشايخ و الفقهاء و الباحثين و المدققين والمحققين و الحافظين و الخاشعين والمتوكلين و الحالمين والواهمين و الموهومين و القاتلين والفاسدين وكل الراغبين فى الحور العين بدلا من الدنيا الفانية ..

...

الحداثة تنطلق قذائفها من محراب العلم و صدق المعامل و نتائج المنطق ..

الأديان تنطلق قذائفها من محراب المعابد و الكنائس و المساجد و نتائج الإيمان المقدس ..

...

الحداثة تقدم ثورة المعلومات و تكنولوجيا الإتصالات و هندسة الجينات و علم الوراثة و الجينوم و الإستنساخ و ميكانيكا الكم و علوم الفيزياء و الفيمتو ثانية و علوم الفضاء و الفلك ..

الأديان تقدم مزايا شعب الله المختار و طهارة الصليب و فضل إطالة اللحى وزيادة وقت النكاح و التبرك ببوذا و حرمة البقرة المقدسة ..

...

الحداثة تطلق صواريخ الفضاء و الغواصات النووية وحرب النجوم و البحث عن حياة فى مجرات و كواكب أخرى و السفر عبر الزمن و الأكوان المتوازية و نظرية التطور ..

الأديان تطلق صواريخ العصا السحرية و الخلاص الأعظم و البراق المجنح و روح زرادشت التى حلت بالسماوات و سفينة نوح التى أنقذت العالم من الطوفان ..

...

الحداثة تقتحم غرف النوم بالفياجرا و التامول والترامادول وأحدث قمصان النوم ..

الأديان تواجه بإستبسال وأحقية نقاء الجنس اليهودى و طهارة أتباع المسيح و أفضلية أمة المختار وحكمة أتباع بوذا و قداسة شعب أهورا مازدا ..

...

الحداثة أجبرت الأديان على تغيير تشريعات و أحكام وتعطيل نصوص مقدسة ..

الأديان تقاوم بأحقية الشعب المختار فى الأرض المقدسة و حتمية الخلاص و حرق الجسد لتطهيره و إنتظار المهدى المنتظر الذى سوف يملأ الدنيا عدلا ..

...
مجتمعات وشعوب و أوطان الحداثة تعيش فى أفضلية و أسبقية حضارية ..

مجتمعات و شعوب و أوطان الأديان تعيش فى ردة و تأخر حضارى ..

...

ستووووووووووووووب ...

سيف الإيمان المقدس للأديان فى مواجهة فيس الحداثة ..

هذا هو عنوان الصراع للفيلم الملحمى الفلسفى للقرن (21) الميلادى فى سينما التاريخ ..

ترى ..ماذا ستكون مشاهد الفيلم فى عام 2100م ..؟

.. أتصورها مشاهد مزلزلة

....

..دبوس إنذار مبكر ..

.بقلم / حكيم الخولى

11 مارس 2014م 

.....

هوامش المقال

1* .. ( سفر يوشع 21 : 6 )

2*.. ( إنجيل متى : الإصحاح 10 : 34 )

3* .. ( سورة التوبة : 29 )

4* ..( بند 1 : الميثاق العالمى لحقوق الإنسان ديسمبر 1948م )


الخميس، 15 أكتوبر، 2015

لا نهائية الزمان والمكان. ، الأثبات الذى يكيل الضربه القاضيه لفكرة "الخلق" بقلم الصديق الاستاذ حسين الجوهرى

       


        فى حوالى سنة 900ب.م. قام رجل يدعى الخوارزمى (فارسى المنشأ عاش فى بغداد) باستنباط "الصفر". فى شرحه للناس لما يعنيه بالصفر قال الخوارزمى "اذا كان معك 5 برتقالات وأكلت واحده يتبقى معك 4 وان اكلت واحده ثانيه يتبقى 3 وهلم جرا وبعد ان تاكل آخر برتقاله يتبقّى معك 0 برتقاله". سالوه "اليس 0 برتقاله- أى حالة عدم وجود برتقال -مساوى ل0 ناقه أو 0 بيت مثلا"؟. قال "لا 0 أى شيئ مميّز ومختلف تماما عن 0 كل الاشياء الاخرى". تضاربت الأقاويل عما حدث بعد انتهاء المحادثه ولكن هناك اجماع على ان الرجل اهين واعتدى عليه جسمانيا بتهمة الزندقه والألحاد وتخريب العقول.
150 عاما مضت وظهر رجل آخر يدعى جابر ابن حيّان الذى بدأ فى صياغة المعادلات الجبريه مستخدما الصفر ولكن بدون اى جدل حول تمييزه كما فعل الخوارزمى من قبل. ولم ينسب علم الجبر الى ابن حيان الا بعد قرون عديده من وفاته. لم يأخذ الصفر مكانته كمسبب اساسى للتغيير النوعى فى حياة الأنسان الا على يد الفرنسى ديكارت. قال ديكارت ان الخوارزمى كان على صواب ولكن شرحه للصفر كان ناقصا. فعندما وصل الخوارزمى الى 1برتقاله كان يجب عليه بعدها الذهاب الى نصف برتقاله ثم ربع ثم ثمن وهلم جرا. فى هذه الحاله سوف يتضاءل الجزء المتبقى من البرتقاله كلما استمر تقسيمها ولكنها لن تنتهى ولن تتلاشى كليّة. اى ان عملية تقسيم البرتقاله سوف يستمر -نظريّا- الى مالانهايه. وبالتالى فان فحصنا هذا الجزء المتناهى الصغر والذى -من كافة النواحى العمليه-يمكن اعتباره "صفرا" يكون الخوارزمى على حق فى أن 0 برتقاله مميّز عن 0 كل الاشياء الاخرى. بعدها قام ديكارت بارساء قواعد الرسوم البيانيه وفى قلبها الصفر الذى أتاح نظام المحاور (السين والصاد) وتقسيمهم الى سالب وموجب. والبقيه تاريخ أغلبنا على دراية منه.
اليوم, نحن فى وضع مماثل او مشابه لمرحلة الخوارزمى وصفره ولكنه ليس الصفر هذه المرّه بل "المالانهايه". لفحص هذا المفهوم دعنا نتخيّل ان أحدنا استقّل مركبة منطلقة فى الفضاء. سوف يرى فى طريقه أجرام مجموعتنا الشمسيه ثم بلايين المجموعات الشمسيه المماثله والموجوده فى مجرّتنا ثم سيخترق بلايين المجرّات الموجوده فى سديمنا ثم بلايين السدم ...الخ. هذه كلها مسافات تقاس بالسنين الضوئيّه, اى المسافه التى تقطعها الأشعّه الضوئيّه فى سنه. ولكى نكون على درايه بسرعة الضوء فهو يدور حول خط استواء الأرض (حوالى 40,000 كيلومتر) أكثر من 7 مرات فى الثانيه الواحده. نعود مرة اخرى الى مركبتنا الفضائيه والتى قطعت مسافات تقدّر ببلايين بلايين السنين الضوئيّه. الآن هل من الممكن ان تصل هذه المركبه الى نهايه؟ اذا أجبنا بنعم فلابد أن نتسائل عن طبيعة هذه النهايه, أهى سور أو حاجز بشكل ما؟ وان كان الامر كذلك فما الذى يمكن ان يكون موجودا خلف هذا السور او الحاجز الا أن يكون بالضروره مكان آخر. هذا فى ضوء معرفتنا ووعينا واحساسنا بمعنى المسافه والمكان. بناء على ما تقدّم فلا مفر من استنتاج الحقيقه وهى ان المكان الذى نعيش فيه هو ممتد ولا يمكن أن تكون له نهاية. الآن ننتبه الى فحص الزمن. هناك مدخلين لاثبات لانهائية الزمن. الأول هو بما انه لا يمكن التواجد فى مكانين فى نفس اللحظه اذن فلا بد ان يمر زمن للانتقال من مكان لآخر. وحيث ان المكان لانهائى, كما اسلفنا, فلابد بالضروره اذن ان يكون الزمن ايضا, وبالتبعيه, لانهائيا. هذا دليل منطقى وقاطع ولا يمكن دحضه. أما المدخل الثانى هو أنه يمكن تخيّل مركبه زمنيه متّجّهة خلفا الى الماضى او اماما الى المستقبل, هل سنصطدم ببداية أو نهايه؟ تفعيلا لنفس المنطق المطبق على المكان سوف ننتهى بالضروره ان الزمن أيضا لانهائى لابداية له ولا نهايه. 
أعتقد ان ما يلزمنا فى هذه الحقبه هو أن "نستوعب" و "نبلع" و"نهضم" مفهوم اللانهايه تماما كما فعلنا مع الصفر من قبل. أى نفك النصبه وننصرف وكل واحد يروح يشوف شغله. لقد قضى الأمر بعدما حسمنا أمر وجودنا

الثلاثاء، 6 أكتوبر، 2015

احمر ... نص جميل للصديقة وجد بوعبدالله



أحمر 


كُنْتُ أمضي نحوك بلا أنين، بجثتي التي سحبتُها من اللهيب سرتُ نحوك، قدماي باردتان داخل الجوارب السميكة، كان ثوبي خفيفاً فوق جسمي على نحو مدهشٍِ ولذيذ…بعيداً عن الدخان الكثيف كنتٓ جاثياً على ركبتيك، وجهكَ ملطخ كمهرجٍ حزين، على محياك تداخل الدُخان والدموع وسائل أحمر، حاولتُ أن ألمس وجهك لأعرف هل أصبتٓ.
جلستُ أمامك وأنت تنتحب، حاولتُ أن أجد مكانٓ الجرح على جسدك، لم أستطع العثور على جرحٍ واحد، كنتٓ غريباً وأنتٓ تضرب ركبتيك وجارتنا وزوجها يحاولان تهدئتك. ما اسمها جارتنا؟

حاولت التذكر، عدى الابتسامات القليلة التي كنا تتبادلها لحظة نلتقي في المصعد أو في مأوى السيارات، لا أذكر أننا تبادلنا الحديث ولا حتى التحيات…

هل تسمعني قلت لك. لماذا لا تسمعني؟ قاطعني رجال الإطفاء وهم يحاولون منعك من الدخول وحين وصلت الشرطة كنتٓ قد انهرتَ تماماً، ما عدتٓ تقاوم، حاولتُ لمسٓ يدك وهي تنزف، بل فعلتُ حقاً، كانت مثل كتلة من الصلصال تعلقت بقطعة الثلج التي كانت يدي.
حاولتُ رفع يدك لأقبلها، حاولت التحدث بل فعلتُ لكن صوتي بقي عالقاً في حنجرتي مثلما حدث في تلك المرة التي علقت فيها زيتونة في حنجرتي وأنا أحدثك في المطبخ عن مديري الجديد…هل تذكر؟ كم ضحكنا يومها، ضحكنا طويلاً بدموعٍ سالت على خدودنا وصرتٓ تطلب مني أن أتوقف لأنك ستبلل بنطالك لو واصلتُ…ضحكنا طويلاً قبل أن أختنق بتلك الزيتونة التي علقت بحنجرتي وكنت تظن أني أواصل المزاح، رأيت بنطالك يتبلل أمامي وأنا أختنق وأنت تضحك بشكل هستيري، وحين امتقع لوني تفطنتٓ أني لم أكن أمزح بل كُنْتُ أختنق بالفعل…

ليلتها نمتُ بين ذراعيك ودموعك تبلل جبيني وأنت تهمس لي: أرجوكِ لا ترعبيني ثانيةً، أموتُ لو حدث لك مكروه.

حافظتُ على نفسي جيداً منذ تلك الليلة، وكلما حدثتني نفسي بأن أقلد أحداً وأنا أمضغ الأكلٓ عدلتُ، مخافة أن تبلل بنطالك ثانيةً وأختنق أنا، وأراك تبكي مثل يتيم في حجرة مظلمة.

حافظتُ على نفسي جيداً لأجلك ولأجل الطفل الذي رفض القدوم فعوضناه بعائلة من القطط، القطط في مأمن الآن، أنقذتها من النيران قبل أن تصل إليها، أخرجتها للشرفة قبل أن أفقد وعيي.
كُنْتُ أنتظر عودتك وغفوت على الأريكة لا أعرف كيف حدث هذا فجأةً..مثلما حدث الحمل فجأة حين فقدنا الأمل.

لم أخفِ عنك شيئاً، عدى مفاجأتي التي خبأتها في انتظار عودتك…كدتٓ تصير أباً.



الأحد، 4 أكتوبر، 2015

اسطورة الفيل وطير ابابيل للصديق حيدر المحمداوى




اسطورة الفيل و طير ابابيل ...
لا يخفى علينا أنّ السيرة النبويّة بصحيحها و ضعيفها، مكتوبة بعد أكثر من قرن ونصف من وفاة محمّد، اعتمد فيها الإخباريّون على قناة شفويّة تمرّ من جيل إلى جيل، عبر قال فلان وقال فلتان وحدّثني علاّن ، وهذا النوع من الأخبار يدخل في باب الموروث الشعبيّ والإشاعات والأساطير أكثر ممّا يدخل في باب الحقائق التاريخيّة ، ولا يُعتدّ بمعلومات كهذه في الأبحاث العلميّة التي تقوم على الأركيولوجيا أو على أقلّ تقدير تبحث في تنوّع النصوص. فينبغي ألاّ نعتمد على السيرة العربيّة وحدها، وأن نبحث أيضا في ف
وجاء عبد المطلب يطلب إبلاً له أخذها جيش أبرهة، فقال له أبرهة : كنتَ قد أعجبتني حين رأيتُك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أخذتها منك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه ! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت رباً يحميه، فقال أبرهة: ما كان ليمتنع مني ، وأما قريش ففروا من أرض الحرم إلى رؤوس الجبال، يحتمون بها، ويترقبون ما الذي سيحل بأبرهة وقومه ، فلما أصبح أبرهة عبأ جيشه، وهيأَ فيله لدخول مكة ، فلما كان في وادي محسر-بين مزدلفة ومنى- برك الفيل، وامتنع عن التقدم نحو مكة، وكانوا إذا وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق انقاد لذلك، وإذا وجهوه للكعبة برك وامتنع، وبينما هم على هذه الحال، إذ أرسل الله عليهم طيراً أبابيل -ومعنى أبابيل يتبع بعضها بعضاً- مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحجران في رجليه، لا تصيب منهم أحداً إلا تقطعت أعضاؤه و ابادت الجيش.
النقد النصي للسيرة هذه تتلخص بالتالي ، اولا: ان السيرة تبين لنا ان عبد المطلب جد محمد هو انسان جبان متخاذل هرب من الدفاع عن مقدساته و لم يفكر الا باهله و ابله ، فهل يعقل في الوقت الحالي ان نترك مقدسات المسلمين لداعش تهدمها زاعمين ان لها رب يحميها ثانيا: لماذا يدافع الله عن الكعبة المدنسة بالأوثان ضد أبرهة المسيحي ؟ و في ذلك الوقت كانت المسيحية هي الديانة الصحيحة التي يرضاها الله و كانت قريش تغوص في الوثنية و الشرك فكيف ينتصر الله لقريش عبده الاصنام , ثم ابرهة و جيشه ذهبوا لكي ينشروا دين الله و لم يكونوا يعلموا اصلا ان الكعبة بيت ابراهيم و لم تكن شائعة و لو كانوا يعلمون لكانوا اكثر حرصا عليها قو لجعلوها مزارا و بنوا فيها كنيسة و هدموا الاصنام الوثنية ، هذا يضطرنا الى الاعتقاد ان مسالة ان كعبة قريش بيت ابراهيم لم تكن شائعة انذاك و انها ادخلت حديثا و و الا لماذا ترك الله نبيه يتوجه للمسجد الأقصى في صلاته سنوات طوال ثم رجع في كلامه ووجهه ناحية الكعبة !؟ هذا اذا اضفنا كيف امكن لابرهة جلب الفيلة و العرب لم تكن تعرف الفيل و لا هو ممن يعيش في شبه الجزيرة العربية!؟ لذا فان الرواية لا تصمد امام النقد النصي .
من ناحية اخرى هدمت الكعبة اكثر من اربع مرات اشهرها لما هدمها الحجاج بن يوسف الثقفي عندما حاصر عبد الله بن الزبير و هدم الكعبة بالمنجنيق و مثله فعل ابو طاهر القرمطي سنة 317 هجرية و هنا نذكر رواية هدم الكعبة من قبل ابو طاهر القرمطي ، هذه هي القصة كما جاءت في كتاب البداية والنهاية - للإمام الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل ابن كثير:
خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافدت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقاً كثيراً، وجلس أميرهم أبو طاهر لعنه الله على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول: أنا الله وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا ، كان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئاً، بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة ، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيراً منهم في أماكنهم من الحرم ، وهدم قبة زمزم وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه ، وأمر رجلاً أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار ، فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاءه رجل فضربه بمثقل في يده وقال: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه، كما سنذكره في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وجاء في صفحة 142 من كتاب ( من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام ) كما ذكرت القصة في مراجع أخري ومنها النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لجمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي حيث قال :
سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي فقتل الحجيج قتلا ذريعا في فجاج مكة وفي داخل البيت الحرام لعنه الله وقتل ابن محارب أمير مكة وعرى البيت وقلع باب البيت واقتلع الحجر الأسود وأخذه وطرح القتلى في بئر زمزم وفعل أفعالا لا يفعلها النصارى ولا اليهود بمكة ثم عاد إلى هجر ومعه الحجر الأسود فدام الحجر الأسود عندهم إلى أن رد إلى مكانه في خلافة المطيع على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى وجلس أبو طاهر على باب الكعبة والرجال منشدا : أنا لله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا ، ودخل رجل من القرامطة إلى حاشية الطواف وهو راكب سكران فبال فرسه عند البيت ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم اقتلعه وكانت إقامة القرمطي بمكة أحد عشر يومًا " ، لم يحج أحد منذ سنة سبع عشرة وثلاثمائة إلى سنة ست وعشرين وثلاثمائة خوفا من القرامطة " ثم رد الحجر الاسود بعد 23 سنة بعدما اشتراه الخليفة المطيع لله بخمسين الف دينار. 
ترى اين كان الله يوم هدم و اعتدى الحجاج و ابو طاهر القرمطي ! اين طير الابابيل و حجارة من سجيل !؟
يبقى احتمال ان القران كان يتحدث عن قصة لا علاقة لها بالكعبة و سورة الفيل تشير الى ابادة اصحاب الفيل من دون ان تشير الى مكة و الكعبة و ابرهة و هجومه و انما اتت التفسيرات بعدها بأكثر من 150 سنة ، تاريخيا و اثريا النقوش الأركيولوجيا وهي أصحّ من التاريخ المكتوب وكذلك الأبحاث تشير إلى أنّ أبرهة قام بمهاجمة عرب جنوب الحجاز بين سنوات 540 و 552 ميلادي تقريبا، أي قبل 20 سنة من مولد محمد الذي اتفق المسلمين على ولادته في عام الفيل ! وتاريخ ولادة محمد لا علاقة له بسورة الفيل ، و القران لا يشير الى ولادة محمد في سورة الفيل فيقول: (الم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) مثلما يقول: (ألم تر كيف فعل ربّك بعاد) ، فهذا لا يعني ان محمد ولد في زمن عاد مثلا ! وقد تكون القصّة اصحاب الفيل أصبحت أسطورة ودخلت في الموروث الشعبيّ بعد مائتيْ سنة ثمّ ربطها الإخباريّون بوقت ولادة النبيّ محمّد لإضفاء بعض المعجزات عليه وعلى الكعبة قبل ولادته وربطها بسورة الفيل في القرآن.
وأبرهة لم يهاجم الكعبة وإنّما توقّف في جنوب الحجاز على مسافة أربعمائة كيلومتر من مكّة ، ونحن نعرف نقوش أبرهة وهي ثلاثة نقوش، الأوّل تحت الرمز CIH 541 وهو نقش بتاريخ 549 ميلادي، والثاني تحت الرمز RY 506 بتاريخ 552 ميلادي، والثالث تحت الرمز Ja 544-547 بتاريخ 558 ميلادي، وعلى الأغلب فإنّ أبرهة توفّي قبل سنة 560 ميلادي، والنقش الذي يهمّنا هنا هو نقش بئر المريغان RY506 المؤرّخ بسنة 552 ميلادي ويشير النقش إلى أنّها الحملة الرابعة لتأديب القبائل العربيّة الثائرة، وكان ذلك في شهر أفريل إثر ثورة بني عامر، ويذكر الأماكن التي خرجت لأجلها هذه الحملة وهذا هو نصّ النقش :
بقوّة الرحمن ومسيحه الملك أبرهة زيبمان ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وقبائلهم (في) الجبال والسواحل، سطر هذا النقش عندما غزا [قبيلة] معد [في] غزوة الربيع في شهر "ذو الثابة" (أبريل) عندما ثاروا كل [قبائل] بنى عامر، وعيّن الملك [القائد] "أبا جبر" مع [قبيلة] علي [علا؟ علي؟] [والقائد] "بشر بن حصن" مع [قبيلة] سعد [وقبيلة] مراد، وحضروا أمام الجيش ـ ضد بنى عامر [وقد وجّهت] كندة وعلي في وادي "ذو مرخ" ومراد وسعد في واد على طريق تربن وذبحوا وأسروا وغنموا بوفرة وحارب الملك في حلبن واقترب كظل معد (وأخذ) أسرى وبعد ذلك فوّضوا [قبيلة معد] عمرو بن المنذر [في الصلح] فضمنهم ابنه (عروة) (عن أبرهة) [فعيّنه حاكماً على] معد ورجع (أبرهة) من حلبن بقوة الرحمن في شهر ’’ذو علان’’ في السنة الثانية والستين وستمائة [552 ميلادي].
وكما يذكر هذا النقش فإنّ أبرهة لم يذهب بنفسه وإنّما توقّف على مسافة أربعمائة كيلومتر جنوب مكّة وأرسل بعض الحملات المتفرّقة، هنا وهناك، وأقرب منطقة وصلتها حملته هي قوله : (في واد على طريق تربن) وهو أنّ (تربن) من الممكن أن تكون مكانا يقع على بعد 190 كيلومترا شرق مكّة لكن تظلّ مكّة في كلّ الحالات بعيدة عن حملة أبرهة أركيولوجيّا وقرآنيّا أيضا، كما أنّ أبرهة عاد منتصرا ولم يتعرّض لا لطيور أبابيل ولم يصبح كالعصف المأكول.
من ناحية اخرى ذكر المؤرخ " بروكوبيوس" ظهوره في بيلوز "554 م" وفي القسطنطينية "569 م" وباء الجدري و يرى أ. يوسف أحمد ( المحمل والحج : ص 77) أن هذا الوباء قد جاء من منطقة مجاورة لبلاد العرب عن طريق بعض الطيور وإذا أضفنا لذلك الوباء أن حملة أبرهة هذه قد وقعت في جو شديد الحرارة ربما كان في شهر تموز ، أمكن لنا عندئذ أن نتفهم الظروف الموضوعية لهزيمة حملة "أبرهة" على مكة , وعودة "أبرهة " إلى اليمن مهزوما/ مريضا ليموت هناك كما تذكر الروايات الاسلامية وذلك بعيدا عما شاع بين العرب بعد ذلك عن قتال الله مع أهل البيت والذي كفاهم مؤونة عدوهم وردده القرآن بعد ذلك كصدى للدعاية الدينية السياسية لقريش وكعبتها .
ان اسطورة اصحاب الفيل لها اثر تاريخي استمدت منه فمن المعروف أن الملك الفارسي "قمبيز الثاني" لما غزا مصر حوالي "525 ق.م" قد وجه إحدى حملاته لهدم معبد الإله المصري "إمن" بواحة سيوة الواقعة في بيئة صحراوية قاسية أيضا "صحراء مصر الغربية , نظرا لما رآه قمبيز في هذا المعبد كمصدر لنبوءات لم تعجبه ولعدم الاعتراف به سيدا على مصر, ويذكر لنا هيرودوتوس أن حملة "قمبيز" هذه قد هبت عليها عاصفة رملية شديدة أفنت هذه الحملة عن آخرها، ولم يرجع منهم احد ، يكتب هيرودوتوس:" رياح عاتية انطلقت من الجنوب تتقدمها سهام من الرمال، اغرقت الجنود تماما وابتلعتهم ولم تبقي منهم اثر". والمعبد الذي بقي صامدا، لاشك ان كهنته كانوا على ثقة تامة ان الاله المصر قد حماهم، فذاع صيت المعبد الى درجة ان صيته الإسكندر المقدوني حرص على زيارته للتبرك به بعد غزوه لمصر(332 ق.م) ! و انتشر بينهم انه ( لقد كان لمعبد سيوة رب يحميه !؟) من هذه الأمثلة نفهم أن عقلية الإنسان القديم و خاصة العربي كانت تنظر للأمور العظيمة بحسبانها أعمالا جبارة من صنع آلهة خفية.
اما انسان العصر الحديث والذي تفصله عن هذه العصور البعيدة مئات السنين والذي يعيش في زمن الثورة العلمية RY506 المؤرّخ بسنة 552 ميلالهائلة حيث يمكن تفسير الظواهر الطبيعية بردها لأسبابها الموضوعية الغيبية , ليس مضطرا لأن يعتقد الله هو الذي أنقذ الكعبة من أبرهة إلا بقدر اعتقاده في آمون هو الذي أنقذ معبده من قمبيز!
.
لاحظ نقش بئر المريغانادي في الصور.

الأحد، 6 سبتمبر، 2015

ذكريات القمص بولس باسيلي عن تلك الفترة المؤلمة فى تاريخ مصر الحديث،

         


           هذه بعض ذكريات القمص بولس باسيلي عن تلك الفترة المؤلمة فى تاريخ مصر الحديث، وهي فترة ماتزال آثارها المدمرة تنهش روح مصر إلى اليوم، حيث تنفجر بين الحين والحين أحداث يطلق عليها صفة "الفتنة الطائفية" لم تعالج حتى اليوم علاجًا جذريًا يحفظ أمن مصر ووحدتها الداخلية، ويجنبها أخطار الانقسام الداخلى والأطماع الخارجية.. إذ كانت التهمة الموجهة للقمص باسيلى والتي ألقي بموجبها فى السجن دون محاكمة هى الرد على الاتهامات والتهجمات المتلاحقة التى كان يوجهها الشيخ الشعراوى للأقباط ومعتقداتهم فى تلفزيون الدولة، والتى كانت تثير غضب الأقباط وشعورهم بالاضطهاد فى وطنهم. وللأسف استمر هذا الوضع بعد السادات مع زيادة التشدد الدينى للمجتمع المصرى بما يقرب من حالة الهوس الجماعى. 

ذكرياتي بين المرج ووداي النطرون

فى الساعة الرابعة بعد منتصف الليل وكنت وقتها فى مصيف أبو قير (على بعد حوالى ساعة من الاسكندرية) دق على بابي "زائر الفجر" وكنت أظن أن زوار الفجر قد انقضوا من زمان فقمت من نومى وفتحت الباب فإذا بى أمام "جيش معمرم" ضباط وعساكر ومخبرين ورجال مباحث وعلى كل درجة سلم فى منزلي جندي شاكي السلاح، وتقدم ضابطان بثيابهما البيضاء وأشهد أنهما كانا في غاية الأدب والخجل، فهما يعرفاننى من مجلس الشعب، ويفهمان أني لست مجرما أو تاجر مخدرات أو سارقا أو متهما فى جناية قتل، لكنهما مأموران أن يفعلا هذا فاستأذنني الضابطان في أن أرتدى ملابسى وأنزل معهما.. إلى اين؟؟ "والله مانعرفش" هكذا كانت إجابتهما!! وارتديت ملابسي بسرعة وأخذت حقيبة صغيرة فيها بعض ملابسى الخفيفة وذهبت إلى مديرية أمن الإسكندرية، وهناك انتظرت أربع ساعات حتى أشرقت الشمس وأعدوا لى "سيارة جيب" لم يكن فيها كرسيًا واحدًا، وعندما هبطت درجات سلم المديرية تقدم عسكرى منى ووضع فى يدى "الكلابش الحديد" فانتهرته، فتشفع لي الضابطان وحرماني التشبه "ببولس الرسول" الذي وضعت فى يديه السلاسل.

وفي الساعة العاشرة بدأنا مع العسكر رحلتنا فقلت إلى أين ياجماعة؟ ولكن بلا جواب.. ودخلنا مشارف القاهرة تتقدمنى سيارة "بوليس النجدة" وورائى سيارة أمن مركزى، وكأنى الملك فاروق فى زمانه لا تنقصنى سوى المتوسكلات والهتافات!! وكل قليل أسأل رفقائي العسكر "على فين ياجماعة؟! ولا جواب!! وأخيرا قال لى أحدهم بصوت هامس "ياعم ده مش انت بس.. ده ودينا كتير زيك امبارح والنهاردة" وأشار إلى لحيته، ففهمت أن كثيرين من ذوى اللحى الكهنة سبقوني، وعندما وصلنا "المرج" لمحت لافتة كبيرة على الباب: سجن المرج.
وعند الباب لمحنى رجل عملاق، فابتسم ابتسامة شماتة وقال لى بصوته الأجش "أهلا.. هو انت شرفت؟" ووضع ذراعه القوى يتأبط ذراعي الضعيف وتوجه بى نحو غرفة "المأمور" وهناك فتشنى، ولأول مرة أدخل السجن وأفهم التفتيش، حيث خلعوا "جوربى" من حذائى فظننت أنهم "سيمدوني علقة" على رجلي ولكنهم قصدوا مجرد التفتيش لئلا أكون قد أخفيت مطواة أو "قرن غزال" شأن المجرمين، فحكمت على نفسى بالغباوة لأني لم أعرف نظام السجون!

زنزانة رقم 11 

وبعد التفتيش والذى منه سمعت صوت العملاق الأجش يصرخ ويقول "يالله زنزانة 11" وسمعت أسماء أساقفة وكهنة كان بعضهم قد سبقني والبعض الآخر لحق بى إلى السجن.. وأشهد أننى طوال دراستى للتاريخ الكنسي لم أعثر على حدث مثل هذا وكانت الكاتبة "صافيناز كاظم" قد نشرت مقالًا فى إحدى الصحف سجلت فيه أن ما حدث للبابا وللأساقفة وللكهنة لم يحدث منذ 1400 سنة.
وهكذا نرى المطارنة والأساقفة والكهنة وكبار الشعب يساقون إلى السجون والزنازين وكأنهم من المجرمين الخطرين!!
رأينا "الأنبا بنيامين" أسقف المنوفية وهو "بلديات" الرئيس وكم حسدناه على أنه "هيئة سياسية"، وهذا الأنبا بيمن أسقف ملوي الراحل، وقد كان دائما فى مقدمة الاصدقاء لرجال الدولة، وهذا "الأنبا بيشوي" أسقف دمياط، وكان أسقفًا مرموقًا لأنه الابن البكر لقداسة البابا، وهذا "الأنبا فام" أسقف طما، ولم يكن قد مضى على رسامته شهور، وهذا "الأنبا ويصا" أسقف البلينا- وهذا "الأنبا أمونيوس" أسقف الأقصر، وهذا "الأنبا بموا" أسقف الأديرة القبلية، الرجل الذي لم يكن له فى السياسة ناقة ولا جمل والذى عقدت حوله الروايات والحكايات، وآخر زبون يشرف الزنازين كان "الأنبا تادرس" أسقف بورسعيد وقد كان فى تلك الفترة فى قبرص، وهناك علم بأمر القبض عليه وحاول أبناؤه إبقاءه فى قبرص أو رحيله إلى أمريكا التى كان يعمل فيها لسنوات، ولكنه أبى الهروب مفضلًا بالأحرى ان يذل مع شعب الله، على أن يكون له تمتع وقتى فى قبرص أو فى أمريكا، وهذه رواية قصها علينا الأب المحبوب القمص بيشوى غبريال راعي لوس أنجيلوس.
ومن الطرائف أيضًا أن أحد العلمانيين الذين كانوا معنا الصحفي "سمير تادرس" وكان قد اختار موقعه فى رأس الزنازين بالقرب من باب السجن ليتخاطب من "شرفة" زنزانته "الزنزانة رقم 1" وتقع على مدخل السجن مع الزنزانة رقم 8، وهي الخاصة بـ"د.ميلاد حنا" المناضل الشجاع الذى أدخلوه معنا على سبيل الخطأ، لأنه أحد رجال السياسة، ولكن نظروا إليه كقبطى فقط، لم يفطنوا الى موقعه السياسى ولو أنهم تنبهوا إلى ذلك بعد حين!! فخسرنا صحبته الجميلة مدة من الزمان!!

برج المراقبة والإذاعة

كان "سمير تادرس" في موقع "برج المراقبة" وهو سجين مخضرم له "سوابق كثيرة" في السجون، ولكننا نحن "مساجين كورك" أي "طاظة" حديثى العهد بالسجون فكان "سمير" كل حين يذيع الأخبار علينا من شرفة زنزانته، ولا يظن القارئ أن الزنزانة لها شرفة، كلا يا أخي فشرفة الزنزانة اقصد بها "النافذة"، ولا تظن أيضًا أن للزنزانة نافذة كنافذة الحجرات في بيوتنا، كلا انها "فتحة" مساحتها 10 × 10 سنتيمتر مربع هى كل متنفس الحجرة، وزنزانتى بهذه المناسبة كانت محظوظة لأن رفيقى فيها كان الزميل "القمص باسليوس سدراك" كاهن المنيا، وهو طويل عملاق فاتفقنا معه على أن يشتم لنا الهواء من "الفتحة" العالية أما أنا فيمكننى أن أتنفس من "عقب الباب"، فكنت أنبطح على الأرض وأتلقى الهواء العليل من ذلك المكان الجميل!!

تعارف مع مأمور السجن

وبمناسبة الطول والقصر فهناك فصل طريف وهو مرور "محمود الجميل" مأمور السجن مع بعض الضباط علينا للتعارف فى أول أسبوع، فوقف كل سجين أمام باب زنزانته لاستقبال هؤلاء فعندما وصل المأمور ورفاقه إلينا قدمت نفسى "القمص بولس باسيلى" قالوا "أهلا وسهلا.. عضو مجلس الشعب؟" قلت نعم. وأما زميلى العملاق فقد قدم نفسه باسمه وبلدته "المنيا" فقال المأمور "يعنى تبع الأنبا بيمن؟" قال له "لا مطران تاني وهو الأنبا "أرسانيوس" فقال المأمور "وده مجاش ليه معاكم؟" فقال أبونا "اصله يا افندم مطراننا قصير وأنا أطول منه مرتين.. وهمه بياخدوا بالطول" فضحك المأمور وأخذ يحكى هذه القصة على كل الضباط للتفكه والترفيه وكان لهذا الجواب مغزى أي مغزى!! (إذ لم يعرف الكثيرون سببًا لاعتقالهم).

معاملة طيبة حقًا

وبالمناسة فلا ننسى أن نسجل كلمة شكر وإشادة بمعاملة العميد "محمود الجميل" مأمور السجن، فقد كان لطيفا معنا يحس إحساسنا ويتفهم ظروفنا وموقفنا، وقد اكتشفنا أخيرًا ان السيدة حرمه وهى طبيبة فاضلة كان لها زميلات طبيبات مسيحيات.
أما طبيب السجن الدكتور مجدي فقد كان لطيفا وكان قد اتفق معى سرا أن يعطينى فرصة أطول من الربع ساعة فى طابور الصباح، بل أكثر من ذلك سمح لى بطابور آخر فى المساء مع بعض المرضى أمثالى، ولكنه على سبيل الخطأ غير المقصود بالطبع كان قد اعطانى "علبة أشرطة اختبار" اقيس بها درجة السكرى عندى ولكنها غير فعالة فكنت أطمئن ولا أتعاطى أدوية السكر إلى أن فاجأنى السكر بغيبوبة خطيرة سقطت على إثرها فى السجن مغشيا على وقد بلغت درجته فى الدم عندي 520 بحسب التقرير الطبى، وامتلأ جسدى بالآسيتون حتى أن نيافة الأنبا بيشوى أسقف دمياط قال لى بعد ذلك "لقد كنت اشتم رائحة الاسينون تتصاعد من فمك!!" وحملت بسرعة الى مستشفى القصر العينى "عنبر 14" الخاص بالمقبوض عليهم –عفوا- المتحفظ عليهم!! وبعد حملى إلى المستشفى علمت أن الزملاء جميعا وقفوا يصلون فى ساحة السجن من أجلى والدموع تطفر من عيونهم ظانين أنهم قد لا يرون وجهى بعد!!
دخلت الإنعاش واستمريت فيه نحو العشرة الأيام أعالج وأصارع الموت وكانت "مباحث أمن الدولة" تسأل عنى تليفونيًا يوميًا وتتوقع الموت لى بين الساعة والأخرى، وتخشى من ذلك لئلا يفسر هذا وخصوصا بالنسبة لى تفسيرات لا ترضاها، سيما وانه قد مات فى السجن منذ أيام الوزير السابق "عبد العظيم أبو العطا" رحمه الله.
ذكرياتي في السجن

لقد تحول السجن إلى كنيسة فالصلوات السبع اليومية تتم فى مواقيتها تماما "وطابور الصباح" للرياضة يقوم به أحد أبنائنا المعتقلين معنا، وكان مدرسًا للألعاب الرياضية، وكان الاخ د. ميلاد حنا بين الحين والحين يقدم لنا استعراضات لعضلاته، وينوب عن المدرس المذكور فى بعض الأوقات!!
وانقلب السجن أيضا إلى كلية إكليريكية فأقوم شخصيا بالوعظ يوميا، ويقدم المتنيح الأنبا بيمن تفسيراته لرسائل بولس الرسائل التى كتبها فى السجن والأنبا بيشوى يدرس الكتاب المقدس فى العهد القديم مع القمص تادرس يعقوب، والأنبا فام بتدريس التسبحة والألحان، والقمص إبراهيم عبده بتعليم الترانيم.
ومن العجيب أننا قمنا بصلوات قداسات ليلة الميلاد وليلة الغطاس وكانت هذه اخر ليلة أشارك فيها وأفارق بعدها "سجن المرج" إلى "القصر العيني"، وهكذا كانت قداسات تاريخية تحدث لأول مرة فى تاريخ الكنيسة ويصلى فيها 8 أساقفة و42 كاهنًا والباقى من العلمانيين اشتركوا كشمامسة، وأما "الشعب" فكانوا المساجين المسيحيين الذين عليهم أحكام وعقوبات مختلفة، فقد استأذنا مأمور السجن في أن نستدعيهم ليعيدوا معنا ليالى الأعياد ويعترفوا بذنوبهم ويتناولوا من الأسرار المقدسة.
وأيضا رسمنا شمامسة في السجن الدكتور نبيل طبيب من سوهاج، والأستاذ عبد المسيح مدرس من بنها نالا درجات شماسية بل وفى السجن أيضا تلقينا أنباء عن "حادث سعيد" للقمص صموئيل ثابت، وآخر للقمص إبراهيم عبده، حيث وضعت زوجة كل منهما ولدا وهما فى السجن، فتلقينا هذه الانباء السعيدة مع صور المولودين السعيدين، وأقمنا لهما حفل "السبوع" وأشعلنا بعض الشموع التى استحضرها لنا الابن الشهم الأستاذ جرجس مندوب اسقفية الخدمات، الذى تعب كثيرا معنا وهون كثيرا علينا!!

الطاولة.. والشطرنج

وكما قال الكتاب المقدس "افعلوا هذا ولاتتركوا تلك" فإلى جانب الصلوات والتأملات المنتظمة، لم ينس الأنبا ويصا "لعبة الشطرنج" المفضلة عنده والتى كان "الشامبيون" فيها مع جميع الذين لعبوها معه فى السجن بلا منازع!! وأما الطاولة فكان أستاذنا بلا منافس القمص لوقا سيداروس، وأشهد أنه أتعبنى كثيرا وحيرنى فى هذه اللعبة التى انتصر فيها كثيرًا عليّ وعلى كثيرين أمثال القمص ابراهيم عبده، والقمص صرابمون عبده، فمع القمص لوقا لا فائدة من الاجتهاد والمحاولات حتى أننى حسبته محترفًا فيها!!

ترقية من السجن إلى الليمان!!

وعندما نقلنا من سجن المرج إلى "ليمان وادى النطرون" - والحقيقة كانت هذه "ترقية" لنا.. فالليمان أعظم مركزًا من السجن - ونحن كنا قد أنهينا حوالى شهر ونصف في المرج وخشيت الحكومة أن يهجم علينا أحد فيقتلنا جميعًا كما حدث فى الهجوم على الأمن المركزى بأسيوط، لذلك نقلونا إلى مركز أعظم حراسة من المرج، وفى ساعة متأخرة من الليل ركبنا "لوري" المساجين المحكم الغلق إلى أين لا نعلم ولامأمور السجن يعلم- كما أقسم لنا- الله وحده هو الذى يعلم.. وأخذت السيارة تنهب بنا الأرض نهبا فى جنح الظلام إلى أن رست عند لافتة كبيرة تقول "ليمان وادى النطرون" ونشهد أن الحال هناك كان أفضل بكثير مما كنا عليه، فبدل "البرش" والأسفلت ارتقينا على أسرة من حديد كل سرير له ثلاثة أدوار، وكان الدور الذى فى وسط السرير فوقه أسقف وتحته أسقف وأنا بين أسقفين، وأحمد الله اننى لم أكن بين نارين، ففى السجن لم يكن هناك فارق بين أسقف أو قس أو علمانى فالحق أن الاساقفة الثمانية كانوا على قدر كبير من التفهم والوعى فهم يقدرون ظروفنا جميعا ويتعاملون معنا الند بالند "ومفيش حد أحسن من حد!!".

كبير الضباط يرحب بنا

وبعد ثلاثة أيام ونحن فى الليمان فوجئنا بكبير ضباط مصلحة السجون جاء يزورنا ويطمئن علينا، فعندما وصل إلى العنبر رآنا نصلى فانتظر فى المكتب إلى أن انتهينا من الصلاة ثم تقدم ليحينا "أهلا.. أهلا.. شرفتوا المكان.. أي خدمة.. احنا كلنا فى خدمتكم.. أي استفسار أو أي شكوى!!"
وهنا سأل احد العلمانيين سيادة اللواء "لو سمحت سعادتك عاوزين نعرف امتى الافراج؟؟"
أجاب المدير "والنبى يا سيد انا نفسى ما أعرفش" ولا أي حد يعرف.. ومع ذلك أنا جيت لقيتكم بتصلوا.. صلوا.. ياتقلبوها زي ماقلبتوها، ياتعدلوها!! وكان هذا الكلام ذا مغزى لأن السادات كان منذ أيام قليلة قد مات (برصاص مغتاليه).

من المآمور.. إلى البواب!!

ومن ذكرياتى التى لن تنسى أننا منذ دخلنا "المرج" ونحن نصلى كل صباح ونسجد 400 سجدة بصوت منتظم يدوى بين رحبات الزنازين ونحن نقول " كيرياليصون كيرياليصون"، فكانت الصرخات تزعزع أعمدة السجن بشهادة مأمور السجن الذى جاءنا يوما يقول "إيه اللى بتقولوه ده؟ ايه يعنى سون سون؟!!" فقلنا له هذه كلمات يونانية معناها "يارب ارحم" وهنا شهد الشهادة التاريخية "أنا باحس إن السجن بيزلزل.. على مهلكم شويه ياجماعة"، والمأمور الواعي يعلم أن صرخة الإنسان المظلوم كالصاروخ تصل إلى علياء السماء، تصرخ من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان- وبعد حادث المنصة جاءنا يتبسط فى الحديث ويقول "والنبى أنا خايف على روحى أنا كمان!! ياجماعة إن كان حد سمع منى كلمة وحشه يقولى!! أبدًا ياسيادة العميد. ونشهد مرة أخرى أن معاملة السيد المأمور وجميع أجهزة السجن كانت معاملة طيبة، فالحراس يقولون لنا "إحنا عمرنا مشفناش زباين زيكم أبدًا" وكانوا كلما يصدر قرار بالإفراج عن اثنين ثلاثة يتألمون لأنهم كانوا يريدوننا محبوسين "تأبيدة" وصدق من قال "مصائب قوم عند قوم فوائد"!.

أربعة كتب في السجن

ورغم أن دخول الأوراق والأقلام إلى المساجين ممنوعة، إلا أنها كانت تدخل إلينا ومراقبو السجن كانوا يتجاوزون عن القوانين ويسمحون لنا بها، ولذلك استطعت بنعمة الله أن أستغل أوقات فراغى فى السجن وأضع النقاط الرئيسية لأربعة مؤلفات قمت بطبعها بمجرد الإفراج عنى، وومارسة نشاطى الروحى والاجتماعى والثقافى (من بين هذه الكتب كتاب "الأقباط وطنية وتاريخ" وكتاب "أنت أخي وأنا أحبك" عن المحبة وعلاقات الود التى يجب توفرها بين أبناء الوطن الواحد والإنسانية جمعاء).