الأحد، 6 ديسمبر، 2015

حكايات المندرة جزء ٢ للصديقة العزيزة رندا شعث



.......

ظ


بيت المندرة 

        جدتي رأت جدي مرة واحدة قبل الزفاف. كان صديقا لأخيها، مدرس مثله في نفس المدرسة. "كان مثل القمر" تؤكد لنا جدتي فاطمة لليوم. " روحوا شوفوا صورته في الصالون، كان أحلى من الملك فاروق". سكنا لفترة قصيرة في حي كامب شيزار ثم انتقلا مع أمي صفاء بكرتهما إلى الصعيد خلال الحرب العالمية الثانية.هناك ولدت خالتي هناء. إلى أن نُقِل جدي لمدرسة الأميرة فايزة بالإسكندرية، فقرر شراء أرض واسعة وبناء بيت لعائلة كبيرة خطط لها.  اختار المندرة لأنها الأقرب للمدينة من حي المعمورة الموحش بالذئاب والضباع . صحراء رملية لم يكن بها سوى بعض   مساكن خشبية لقضاء الصيف مملوكة لعائلات إيطالية ويونانية ويهودية، وقليل من ثكنات الجيش الإنجليزي. سكنوا وقد أصبحوا خمسة بعد ولادة خالتي زكاء،  غرفة خشبية لأربع سنوات. ولد فيها خاليّ أحمد وفاء ومحمد بهاء. باعت جدتي كل ذهبها لاستكمال البناء. وعدها جدي بالتعويض ولم يف بوعده. أصابه مرض السرطان ولم يكمل عامه الخامس والأربعين. مات بعد خمس سنوات من انتهاء بناء البيت، تاركا لها ستة أبناء بين سن الثالثة عشر والثالثة،  وتوأماً حسين وحسناء لم يريا النور بعد. أصبحت فاطمة أم صفاء كما كانوا يلقبونها أرملة في الواحدة والثلاثين من عمرها.
  
       على مدار السنوات تستعيد لنا جدتي حكايتها. كيف ربت ثمان أطفال وحدها بمعاش جدي الضئيل. كيف أدخلتهم المدارس ثم الجامعات، الملابس التي تخيطها وتعيد حياكتها لتلائم الأصغر سناً. كم من الأيام صامت حتى يكفيهم الطعام. كعك العيد الذي بيدها تعجنه وتخبزه حتى في ذلك العيد الذي مات أباهم قبله. ما ذنبهم؟  كانت تردد.."يكفي حزني أنا."
 
      ولكن تيتة فاطمة التي عرفناها كلنا لم تكن أبدا إنسانا حزينا. امرأة مليئة بالنشاط والنكتة. تطعمنا جميعا أبنائها وقد تزوجوا، وأحفادها الذي بلغ عددنا واحد وعشرين في الأعياد والمناسبات. حديقتها الغناء بالنخيل وأشجار الكافور والجوافة والزيتون وتكعيبة العنب والدجاجات والحمامات مترعا لألعابنا. تخيط ثياب اللعب لنا ولدمانا من نفس الأقمشة.تقنع أمهاتنا بأن نطيل فترة السماح باللعب مع أولاد الجيران وتسرب لنا السندوتشات أثناءها. تتحايل معنا في السهر على الفيلم العربي المذاع في التلفزيون من وراء ظهر أمهاتنا بعد الساعات المسموحة للسهر. الأمر الذي جعلنا نتعاطف معها في التحايل لأكل الحلويات والأيس كريم من وراء أوامر الأطباء بعد إصابتها بالسكري. 
 
      وضعت حقيبتنا الصغيرة في الغرفة البحرية. لم تزل مكاني حين أذهب وحدي لزيارة جدتي في الإسكندرية. مفروشة حتى اليوم بجهازها المودرن عام 1937. نفس الخزانة بضلفاتها الثلاث العريضة، ومراياها بالداخل. نفس الأدراج للملابس المطوية،ومعها زجاجات العطر الفاخر للمناسبات، وبين ثناياها بعض النقود. نفس التسريحة بصندوقها الزجاجي يكشف عما بداخله؛ خفين من البلاستيك الرخيص للوضوء. ونفس السريرين الخشبيين الذي كان أحدهم لجدي والثاني لجدتي، وان كان يغطيهما الآن بدلا من الألحفة القطنية بطانيتين حمراويتين مصنوعتان من الألياف الصناعية. ينقصها كومودينو واحد وضعته جدتي في غرفة الضيوف. وأبقت على الثاني بجانب سريرها. وضعت فوقه ساعة منبه بلاستيك، زرقاء اللون، تذكرها بموعد الدواء. تحتفظ لي جدتي بقميص نوم صيفي أزرق، وآخر شتوي أصفر اللون، ومنشفة مقلمة أحمر بأبيض،لاستعمالي في زياراتي المتقطعة. بعد أن تزوجت صارت تفرش لنا السرير المزدوج في غرفة خالي بجانب المطبخ. فرشها خالي حسين لاستعماله حين يزورها. أثاث حديث لا أشعر تجاهه بأية ألفة. أشعر هناك بغربة. أما الليلة، فقد سمحت لنا تيتة بالمبيت في غرفتي البحرية. بعد أن شاخت، صارت تنام طوال الشتاء في الغرفة القبلية. أقبلها قبل النوم، تحتضنني. تسألني عن بقية الأساور الذهبية "هل بعتهما؟" 

الباب 

لبيت المندرة ثلاثة أبواب صاروا اثنين على مرور الزمن وخوف تيتة بعد أن صارت وحدها وتزوج الكل ورحلوا. بقي الباب البجري والباب القبلي. 
 
انت فين يا تيتة؟
انت كنت فين؟
في الجبل 
بتعملي ايه؟
بادفس رجليا في الرملة الساقعة
 
حنفطر ايه النهاردة؟
انا قاليه لكم طعمية جميلة - وبيض ومحوشالكم القشطة بتاعة اللبن كله
لا عايزين سد الحنك
طب اعملكم بيض؟
سد الحنك
 
تعالوا يا ولاد عمو نبيل حيلعبنا لعبة البحث عن الكنز
 
حاسبوا يا ولاد الزرع تكسروه. انا لسه زارعة شوالي جديدة
 
ياللا يا ولاد السمك جاهز
 
الفرع ده بيتي أنا
والفرع اللي فوق ده بيتي أنا
لا أنا
يا عم شجرة الكافور كبيرة روح شوف لك فرع تاني
 
الحقي يا تيتة رامي وحمادة بيضايقوا الكلب
وعمرو بيصطاد عصافير
 
"فين الكحك يا تيتة؟"
مفيش كحك. لسه فاضل عالعيد خمس أيام
والنبي يا تيتة. طب هاتيلي كحكاية واحدة
طب حاقولك مكان الصفيحة بس ما تقوليش لحد - مخبياها في البوفيه ورا الاطباق الصيني
مين نازل معانا نعيد على أختي وبعدين أبلة روحية؟
 
قبل ما تمشي ما تنسيش البطة اللي انا جايبهالك - انا حاطةهالك في الفريزر
والكحل يا تيتة؟
عاملة لك حبة صغيرين وما لقيتش علبة حطيت هوم لك في مكحلتي النحاس بتاعة جهازي خليها عندك
 
النهاردة حندكر النخل تعالي صوري
تعرفي تطلعي النخلة كده
ياللا جربي انت مش كنت بتتشعبطي عالتوتة والكافورة
 
 
احنا بنفضي البيت عايزة منه ايه؟ عارفين انك بتحبي المراية
 
انت ناكشة شعرك كده ليه
يا تيتة حدوتة ست الحسن والجمال اللي كنت بتحكيها  لي قولتيلي شكلها كده
انا قلت كده؟
اه وقولتيلي الشاطر حسن حيحبني



خارج المندرة
 
        قضيت أعواما لا أعرف من الاسكندرية إلا المندرة وشاطئها. كبرت قليلا وأوكلت لي مسؤولية استلام حصة جدتي من التموين من دكانة الادكاوي، أو الوقوف بدلا منها في طابور الجمعية على البحر التي في الطريق اليها كنت أمر عبر شارع مردوخ والتلصص بين أبوابها الحديدية الى السينما القديمة ثم المرور على الطاحونة في الطريق ذهابا وايابا. ثم شراء الجرائد ومجلة سمير من ناصية شارع نعمة. قبل ذلك كنت أقود مسيرة الأطفال حاملين فوانيس رمضان طمعا في الحلوى. عبر الرمال البيضاء في حذا السكة الحديدية حتى بيت خالي تركي بالقرب من محطة القطار.
 
         نخرج من المندرة في صحبة أبي وأمي فقط. لزيارة جدتي سميحة في وابور المياه. أو الى وسط البلد للشراء. نمر دائما بمحل جوبالديس الهندي للمصوغات في شارع صفية. كان صديقا للعائلة. كنت أمل من الجلوس في محله. مظلم ومليء بالأفيال العاجية والخشبية. كان يغغشي بصري نور النهار في الشارع حين نخرج. أفرح بزيارة زميل دراسة أبي سمير ووالدته الكريمة. كان عندهم بيانو كبير في غرفة الجلوس ويسمح للطفلة باللعب على أصابعه مهما كان مزعجا طمعا في أن يعزف أبي ويريحهم مني. والرحلة الأهم كانت لحضور فيلم في سينما مترو أو سبنما أمير يتبعه دائما عشاء في مطعم ايليت.

        ستظل ذكرى تجربة حضور فيلم 'الزلزال' حاضرة في ذاكرتي انا وابن خالتي خالد. صيف   ١٩٧٧ بطولة  تشارلتون هيستون و آفا جاردنر. لأول مرة كانت دور السينما التي تعرض الفيلم مزودة بسماعات ضخمة لتعضيد احساس اهتزازات الزلزال. انتظرنا دورنا في سينما مترو ولكن الفيلم كان للكبار فقط. دخلت أنا في صحبة والدي ومنعوا دخول خالد. كنت في الرابعة عشر وهو يصغرني بعام. لم تفلح تحايلات أبي. اضطرت تيتةفاطمة العودة به الى المندرة بالترام. يدعي خالد أنها كانت لحظة فارقة في حياته اضطر من بعدها حتى اليوم اقناعي دوما أنه ناضجا كفاية وفهيم.

       اول مرة أبيت في اسكندرية في فندق - خارج نطاق العائلة كان أثناء تصوير فيلم المهاجر. كان عمري واحد وثلاثين سنة. نزل العاملين في الفيلم أيام تصويره في المينا في فندق ويندسور قبل تجديده. نزل المخرج في فندق سيسيل. كان أعجب شيء بالنسبة لي في تلك اللحظة اني مقيمة في فندق في الاسكندرية بعيدا عن المندرة مع زملاء عمل. لم أستطيع أول يوم التركيز في فخامة  التجربة ونالني منها أول صرخة استنكار وتوبيخ من "الأستاذ" حين بحلقت في البحر ولم أنتبه الى عملي.


 
فستان الفرح

        تزوجت متأخرة وعمري الرابعة والثلاثين في عرف عائلتي التي تزوج فيها أمي وأبي في سن الواحد والعشرون. واخوي كذلك. كانت أمي رحلت من سنوات بعيدة. تبنتني كل أمهات العائلة وقد وضعت كل منهن لنفسها دورا في التحضير للعرس. عمتي نهى أرسلت رغما عني أعداد مهولة من قمصان النوم الحريرية، خالتي رواء قامت بتنجيد المراتب والمخدات في الاسكندرية وأرسلتهم الى منزلي الجديد بشاحنة نقل صغيرة. لم تنسى أن تنجد لي لحافا مثل الذي كنا ندير معارك الزغزغة تحته في الغرفة البحرية في بيت تيتة. زوجة خالي عصمت قضت أيام معي تخيط لي الملاءات وأغطية المخدات. خالتي حسناء تولت كعكة العرس.

         أما فستاني الذي كنت أريده خاصا يجمع بين رموزي الكثيرة: رمز مصري وفلسطيني وأمريكي ومعاصر! قررت أن يكون القماش من حرير أخميم وأن يطرز بالنقوش الفلسطينية وان يكون اللون الازرق حاضرا وأن يكون تصميمه معاصرا. بعد أن اشتريت القماش ذهبت به لمقر اتحاد المرأة الفلسطينية ولم تنجح محاولتي اقناعهن بفكرتي. تمخض ذهني أن تقوم خالتي زكاء بخياطته وكانت مشهورة بإجادتها فن الخياطة، وأن تطرزه عمتي ميسون. الاثنتان ترددتا من المسؤولية وخافتا من التجربة خاصة ان خالتي تقيم في الاسكندرية وعمتي في القاهرة. ولكني نجحت في اقناعهما. وقد كان. عمتي تطرز قطعة في القاهرة وأذهب بها الى الاسكندرية لتقصها وتخيطها لي خالتي في المندرة. بعد ثلاث رحلات مكوكية ذهبت الى الاسكنرية أسبوعا قبل العرس للبروفة الأخيرة. وفي حديقة تيتة كان حفلا راقصا كالعرس احتفالا بانتهاء الفستان.
كان فستاني رائعا موشى بالحب في كل غرزة.
 
 
2003

      أتذكر أن أرتدي قرطي الذهبي وسوارين وخاتم قبل مغادرة المنزل. جدتي تحكم على حالتنا المادية واستقرارها بهم. أضع حقيبة ملابسي التي كبر حجمي عليها، وأكياس المكسرات والفواكه المجففة التي اشتريتها لها من بيروت، ونسخة من كتابي الجديد في صندوق السيارة. ننطلق أنا وزوجي بسيارتنا وسط زحام خروج التلاميذ من مدارسهم إلى الإسكندرية.

     تغيرت المدينة ومداخلها. قرر توم أن نجرب الطريق الدائري الجديد الذي يصل الطريق الصحراوي بالمدينة من الشرق. ذلك أقرب إلى المندرة، حيث بنى جدي بيته عام 1941 من الدخول عبر وسط المدينة. منطقة السيوف تعج بسكانها في الشوارع الضيقة مع اقتراب موعد الإفطار. بائعو الخبز، والفواكه، والتمر، ومشروب التمر هندي ينادون لآخر فرصة للشراء وسط زينات وفوانيس معلقة بين المباني وعبارات على الحوائط كثيرة تؤيد حركة حماس الفلسطينية.
نصل عند انطلاق المدفع تماما. جدتي وخالاتي الأربعة في انتظارنا بلهفة. المائدة عامرة احتفاء بنا: ملوخية وأرز وبطة، فتة دجاج بالمكسرات، بسلة بصلصة الطماطم، ورق عنب محشو، سلطة خضراء. ولم تنس جدتي بالطبع صحن المسقعة- أكلتي المفضلة-ووضعته بأكمله أمامي.
تدللني جدتي وخالاتي. يرفضن عرضي لتنظيف المائدة وتحضير الشاي. أتجه لغسل يدي عبر صالة الجلوس، مرورا بالرواق المظلم الطويل إلى الحمام الخلفي.
 
       الحمام في طفولتي كان ثلث حجمه الآن. في ضيق ذات اليد، أجّرت جدتي نصف المنزل لأقارب لها. كان حماما ضيقا معتما بدائيا. به نافذة صغيرة مستطيلة تطل على الحديقة الخلفية وأقفاص الحمام والدجاج والأرانب. تدخل فيه أمي الوابور أولا لتدفئته،وبعدها لتسخين ماء للاستحمام. تجلسني أمي على كرسي خشبي صغير، وتسكب على جسدي الصغير الماء من خليط دافئ في وعاء نحاسي كبير. يتصاعد البخار  ويخفي كل شيء
    أعود إلى العائلة المجتمعة حول صينية الكنافة. خبزتها خالتي هناء وحشتها باللوز والزبيب. كل ركن في البيت دافئ، يبعث ومضات ذكرى حميمة.
 
        كنا نقضي في بيت جدتي عطلة نصف العام الشتوية وطوال أشهر الصيف. أنام دائما في الغرفة الشتوية ذات الشباكيين والأرض الخشبية. ما زالت حتى اليوم، تحوي أثاث زفاف جدتي. خزانة كبيرة ذات أضلاف ثلاثة، بمرآة طويلة داخل بابيها. تسريحة بأدراج وصندوق زجاجي ومرآة ورف صغير لأدوات الزينة. طاولتين صغيرتين بجانب سريرين متوسطي الحجم، أشارك خالتي الصغرى في النوم عليه. في أيام الشتاء الباردة،طالما لعبنا معا لعبة الزغزغة حتى تضيع لسعة البرد الأولى تحت اللحاف.  كثيرا ما حكت لنا تيتة أن جدي هو الذي أصر على شراء سريرين رغم اعتراض العائلتين. كان يرتاح للنوم وحده. حين كبرت أنا قليلا، كانت تضيف خجلة أنه كان يزورها في سريرها ثم يعود للنوم وحده في سريره. 


مهجور

       بيت المندرة مهجور. بعد بداية الثورة حلت موجة من الفوضى. بيوت كثيرة هدمت بدون تصريح وعمارات قبيحة بنيت بدون تخطيط. صباح يوم اكتشفت خالتي زكاء قيام مقاول بدق عواميد أساسات ضخمة  تكفي أربع عمارات  داخل حديقة البيت. حاولت افهامه أن هذه أرض العائلة وأنهم يبنون فوق حديقة المنزل. أوقعوا السور والأربع نخلات البلح السماني وأكملوا بناء. أظهروا لها أوراق من الحي تفيد أن هذه الارض تقع على شارع عمومي. أوراق مزيفة  والشارع المدعو ينتهي ويسد طريقه عمارة عشوائية أخرى. كانت منذ سنوات أكلت الجبل الرملي وأوقعت السور البحري وشجرة الكافور. بيت عمر أبو علي الذي كان فيه شجرة التوت بيع منذ سنوات ومكانه عمارتين شاهقتين. حرمنا سنوات من الشمس والهواء والنخلات، البيت محاصر بعمارات شاهقة من جميع الاتجاهات. وأخيرا تسرق الحديقة. خالتي أبلغت القسم وكتبت محضرا. والعمارات الأربع تعلو بسرعة. الحل الوحيد كان أن نأتي ببلطجي أقوى من البلطجي الذي سرق الارض ليهد ما بني. لكن لم يتوفر لأحد رقم تليفون لبلطجي قوي. 
حاولنا الاحتفال بالعيد فيما تبقى من أرض الحديقة لكن صوت آلات البناء كانت عائقا. لم نجتمع عيدين فاتوا. وبدأت أصوات أفراد العائلة مطالبة ببيع البيت والأرض.

      عمرو ابن خالتي هناء اشترى بيتا بحديقة وحمام سباحة في كنج مريوط وقرر لم شملنا عنده هذا العيد. بدأ اليوم مبكرا بفول وطعمية وعيش بلدي جاؤوا مع المبكرين من الاسكندرية. امتلأ المكان سريعا بأطفال العائلة وبضحكاتهم وبالبالونات والمحبة. افترشوا الكراسي والحشيش وحمام السباحة هم وعلب الترمس والكحك والبسكوت والفول سوداني. 
ابنة خالتي حسناء الصغرى كاريمان تحضر لعرسها الشهر القادم. التف حولها البنات والخالات وهن يحضرن طعام الغذاء ناصحات ومناقشات الزواج وسبل نجاحه وفشله. ابن خالتي هناء خالد جاء وعائلته من أمريكا. قرر استكمال رحلة الطيران الطويلة من أمريكا بطيران حتى برج العرب خوفا مما يسمعه عن حالات "التثبيت". وصلوا قبيل الفجر. لم يمنعه عناء الرحلة الطويلة من مناقشة حال البلد. العائلة تضم الاسلاميين والناصريين والكنبة. اجتمعوا كلهم على التشاؤم من الحاضر والمستقبل. 
هربت منهم حين بدأت مناقشة بيع البيت. ذهبت لألعب مع الاطفال. ثلاثة أجيال حاضرة. تيتة فاطمة كانت تفخر أنها شهدت على أجيال أربعة. رحلت قبل أن تشهدهم يبيعون بيتها.
     
       يباغتنا المغرب. يتوقف الهواء برهة. يبدأ البعض في الرحيل. قبلات وأحضان ووعود بلقاء قريب. تستغرق وقتا ممتدا. تظلم السماء ثم تشع بنور نجوم متناثرة

......

      اليوم ذكرى أخي علي الثانية. نذهب أنا ورامي ورنوة والطفلين لزيارته في مدافن العائلة بالاسكندرية . أحاول أن أنفي للطفلين أنه "هنا" ,أؤكد انه معنا في كل مكان يبتسم ويدعو لنا. بالرغم من ذلك يغني له الصغير أغنية تعلمها في الحضانة. دعتنا خالتي حسناء للغذاء في بيتها - فقد سلم بيت تيتة لمالكيه الذين سيهدمونه الاسبوع الماضي. تدعو أيضا بقية الخالات وأبنائهم. تسلمني خالتي ارثي من البيت. المراية التي أحبها. "علقيها في بيتك، حين تنظرين اليها سترين الجميع فيها يبتسمون لك. ربما تسمعين ضحكاتهم أيضا".

http://na3ema.blogspot.com/2015/07/blog-post_49.html الجزء الاول 

هناك تعليق واحد:

Hanya darweesh يقول...

اعجبنى جداً اسلوبك فى سرد الذكريات تجولت معك فى بيت جدتك وتخيلت الوان الستائر والملايات وشممت رائحة الطعام الشهى .تألمت معك على ما آل اليه حال البلد. احبك من بعيد.