الأربعاء، 8 أبريل، 2015

متى تغضب الالهه




متى يغضب الإله ؟



منذ عده سنين ضوئيه لاأعرف عددها كنت أعمل نائبآ للأشعة العلاجية فى معهد الأورام القومى. 
أذكر يومآ جاءتنى فيه مريضه سرطان ثدى "لإعاده التخطيط" وهو إصطلاح معناه أن نعيد رسم الخطوط والعلامات التى نرسمها مباشره على جسد المريض لكى ترشد فنيي الجهاز الإشعاعى عن كيفيه إعطاء العلاج بالشكل الصحيح. 
بينما كنت أقوم بذلك بالشكل الروتيني البارد المألوف لاحظت أن المريضة تبكى فى صمت. إرتبكت قليلا ثم سألتها
"مالك ياأمى ، فيه حاجه وجعاكى"؟ 
هزّت رأسها بالنفى فى صمت غير أن المرافقه أجابت بالنيابة ،
"أصل جوزها إتجوز عليها"

 فى الدقائق التى تلت علمت قصتها كامله، معاكساته الأولى لها فى طريقها للمدرسه فى الزقازيق، تفضيلها له على إبن خالتها، الإنتقال للقاهره، فشل المشروع الأول وشظف العيش، السفر للخليج، طفلهم الأول ذو الإعاقة، سهرها وحدها على مشروعهم فى مصر والأولاد الذين توالوا. اليسر بعد العسر، ثم قبل إستقرار الحال يأتى السرطان وشبح الموت والآن .. الزوجه الثانيه.   

فيما يبدو أننى لم أستطع إخفاء ألمى وإستيائى من تصرف الزوج. فأستطردت المرأه تبرر سلوك زوجها وسط دموعها بينما ترتدي ثيابها البسيطة. 
"ماهو برضه معذور يا دكتور ماأنا ماعدتش أنفعه..  وبعدين هو بيقول إنه من حقه... الشرع بيقول أربعه... صحيح... الراجل ماعملش حاجه تغضب ربنا"..

القهر فى بلادى طبقات..."كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج ، من فوقه موج ، من فوقه سحاب، ظلمات فوقها فوق بعض"..... الحكومة تقهر الجميع ، وللفقراء تضاف طبقه وللمرضى طبقه وللأقليات طبقه وللنساء طبقه ثم فوق هذا يأتى القهر الناتج من تصوّر أن المتسبب  ماعملش حاجه تغضب ربنا" .

 منذ سنوات دراستى الجامعيه لا أذكر أنى دخلت نقاش من أى نوع يخلو من مصطلح "الحلال والحرام" . هل الإختلاط حلال؟ هل معاهده السلام مع إسرائيل حلال؟ هل زراعه الأعضاء حلال؟ هل قسط التلاجه حلال؟ 
المجتمع كله صار مشغولآ بتتبع الحلال وتوصيفه ونسينا أو تناسينا أن نتدبر ماهو الصواب ، ماهو الأصلح وماهو الأخلاقى..

تذكرت هذا الموقف وأنا أتابع النقاش الدائر حول الحد العمرى الأدنى لزواج الفتيات.
حيث الإسلاميين -والأزهر- لا يروا بأساً من عدم وضع حد أدنى لزواج الفتيات ولاحتى إشتراط البلوغ  تمشيآ مع رأى قدامى المفسرين للفظه " واللائى لم يحضن" فى الآيه الرابعة من سوره الطلاق وبالتالي -ومن وجهه نظرهم- الزواج من الأطفال "حلال".....! 

للآيه السابقه تفسيرات أخرى أكثر مواءمه لروح العصر وأكثر إنسجامآ مع روح القرآن الإنسانيه المتجددة  مما ستجده فى إبن كثير أو الطبرى. لهذا يكون الإصرار على تفسيرات بعينها غيرمفهوم. 

ولكنى أسأل حتى لو أن زواج الأطفال كان حلالآ يمارس وقت إبن كثير ، أيجعله هذا صوابآ الآن ؟ أيجعله مقبولآ من الناحية الأخلاقيه والإجتماعيه والإنسانيه؟ أيجعله مناسبآ؟ 

أليست الإعتبارات الأخلاقيه والإنسانيه كافيه أم أننا حقآ بحاجه أن نجهد أنفسنا لكى نجد مبررآ شرعيآ للإنسانية؟

أنحن بحاجه أن ندافع عن أنفسنا حينما نحاول أن نحافظ على تقنين ماهو معروف بالفطرة ومقبول بالعرف ومؤيد بالعلم.

الحلال والحرام ليس هو الصواب والخطأ وليس كل حلال صائب ولا كل حرام خطأ. وكما أن للقوانين "روح" هى تحقيق العدل فإن لأحكام الدين روح وغايات هى القصد والغايه و إن لم يصاحب إتباع الحلال وتجنب الحرام فهم أخلاقى للغايات ولروح الدين فلن يؤدى إقتفاء الحلال وإجتناب الحرام لصلاح فرد أو إصلاح  مجتمع.

أحقآ يكون زوج مريضتى المسكينه "ماعملش حاجه تغضب ربنا" 
ماذا عن الجحود وخيانه العشره؟، والتخللى عن المسؤليه ؟ ماذا عن إنكار الجميل؟ ماذا عن الأنانيه؟
أحقآ يكون من تزوج من طفله "ماعملش حاجه تغضب ربنا" رغم الإيذاء الجسدى والإغتصاب النفسي، رغم سحق البراءة وقتل الروح، رغم قهر الطفولة، رغم الغلظة، رغم القسوة؟
 

 متى يغضب الإله إذآ؟

سبق نشرها 
من الصديق اكمل صفوت