الخميس، 6 أكتوبر، 2016

شكرا لساعى البريد نص جميل للصديقة رغد صفوت


     شكرا لساعى البريد   

     في ٧٣ بابا كان المراسل الصحفي إللي بيغطي هو والمصوِر الجميل شوقي مصطفي الحرب في سينا لمجلة "المٌصوَّر"، فكان يغيب أيام وبعدين فجأة نلاقيه على الباب نازل أجازة قصيرة يمكن لليلة واحدة.

مرّة وصل بالليل وبعد الهيصة والذي منه قال لماما أنه عايزها في حاجة مهمة. في الأوضه ماما لقيته بيفتح مِخلا أو يمكن شنطة ضهر وبيدلق محتواياتها على السرير. ورق، ورق، ورق! عشرات وعشرات من قصاقيص الورق على كل شكل ولون، كبير و صغير، وإيشي ضهر ورقة مطبوعة، وإيشي مشط كبريت! إيه دول ياصفوت؟؟! دول جوابات! جوابات من جنودنا على الجبهة من مختلف قرى وربوع مصر كاتبينها للغاليين...يطمّنوهم إنهم لسه أحياء وصامدين ومشتاقين. كانوا بيكتبوا على أي ورقة يلاقوها ويدّوا الجوابات لبابا وعمو شوقي -الله يرحمه- ويأمّنوهم ويحلّفوهم. 

تاني يوم بابا سافر وماما أسقط في يدها! مهمة مستحيلة وفي نفس الوقت أمانة غالية طبعاً ومسئولية كبيرة. فضلت طول اليوم تبص على الشنطة وبعد الشغل نزلت مكتب البريد إللي في حوش وزارة النقل والمواصلات لإنها كانت وقتها موظفة في هيئة الطرق والكباري. طلبت تقابل مدير المكتب وعملت نفس إللي بابا عمله! فضّت الشنطة على مكتبه وحكت له الحكاية...أتصرّف إزاي؟ لازم تساعدني. الراجل يقلّب في الورق يمين، يقلّب شمال...يادي المصيبة! لا عنوان كامل، ولا خط واضح، ولا إسم ثلاثي، ولا حاجة أبداً. الجنود ياحبايبي كانوا ساعات يكتبوا حاجات زي "إبنكو محمد"..أو "مركز كذا، شرقية"...المهم في الآخر قال لها استنّي. ماما بتحكي إن موظفين المكتب يومها ماروّحوش بعد الشغل علشان يفرزوا القصاقيص بمنتهى الحرص ويقسّموها جغرافياً، ويشوفوا إيه فيه أمل وإيه مافيهوش، ومدير المكتب وعد يتواصل مع مكاتب البريد المركزية في المحافظات إللي ليها جوابات علشان يبعتلهم نصيبهم!

ماما فضلت بعدها تعدّي على المكتب وكل يوم يحكولها إيه وصل وإزاي، وإيه ماعرفوش يوصلوه وحيحاولوا تاني، وتحتفل معاهم بالانتصارات الصغيرة. إللي فهمِته إن سعاة البريد كانوا بيروحوا الأحياء والقرى إللي ليها جوابات يسألوا الأهالي وعلى القهاوي وأصحاب المحلات مين في الحتّة له إبن على الجبهة! ولمّا كان يبقى فيه كذا محمد مثلاً...كانوا يورّوا الجواب للأُسر أسرة أسرة لحد ما أسرة تتعرف على خط إبنها أو تلاقي سلام لحد فيهم بالإسم.

 ماما بتقول إن الحصيلة في الآخر كانت مبهرة، ورسايل كتير كانوا فاقدين الأمل فيها وصلت لأصحابها. الخلاصة إن أمنية معظم الجنود دول إن أمهاتهم وزوجاتهم وحبايبهم يناموا مطمّنين ولو ليلة إتحققت بفضل المجهود الجبار إللي بذلوه السعاة وموظفين البريد الأبطال دول.

لما بفتكر الحكاية دي على طول بتنط في ذهني مقولة "شكراً لساعي البريد" إللي بنتندر بيها وأقول أكيد إللي طلّعها كان واحد من الجنود دول 😊 

ليست هناك تعليقات: