الأربعاء، 7 يونيو، 2017

من جاردن سيتى الى التحرير ، للصديقة رندا شعث


من جاردن سيتي الى التحرير 
1
في الشرفة الصغيرة تطل على شباك بيت الجيران بوابته في شارع الجميعي والفيلا المهجورة وشجرة المنجة - فيها منشر الغسيل وكنبة. أجلس أنا طفلة في الرابعة مع جليستي التي تكبرني بأعوام بسيطة بينما تنشغل أمي بارضاع المولود الجديد - أخي علي. لا تنسى أن تحشو لي سندوتشات - لانشون وحلاوة طحينية. لا أحبها. لا أحب الأكل عموما. تجبرني بالبقاء على الكنبة حتى أنتهي من عشائي. أبكي وأرجو جليستي إنقاذي. تأكل لي السندوتشات. أهلل وأصفق. هي تؤكد لأمي أنني انتهيت منها.
أبتسم للجارة الشابة. شباكها وشرفتنا بينهما مسافة ثلاث أذرع. لا تكفي للتلامس ولكنها كفيلة لإيصال الحلوى التي ترميها لي عبرها. ألعب في الشرفة كثيرا. ألتقط الحلوى بمهارة وآكلها بسرعة.
3
تسمح لي أمي - بمعية عم عبد الحميد البواب النوبي ذو الشارب الطويل والعمة البيضاء الكبيرة أن أنزل سلالم الادوار الثلاثة الى مرأب السيارات الضخم والمظلم. له مدخل من داخل العمارة عبر الحديقة الصغيرة. مدخله يفتح على شارع حوض اللبن. تجلس سيدة جميلة بثوب مزركش تبيع البيض البلدي في سلة من خوص. أناولها القروش التي أعطتها لي أمي وأحمل البيض في صحن.   
4
أسمع والدي يتهامسان عني. أفهم أنني كبرت على حضانة الحديقة في تقاطع عائشة التميورية والطلمبات وعلي الذهاب الى المدرسة. صباح اليوم التالي يمسكان بيدي - كل بيد. يتجهان الى الكورنيش. نمر بالمدرسة الكبيرة في شارعنا. على بابها توقفا ليسألان رجلا جالسا بالباب. أنبهر بتمثال مرمري بديع محاط بالضوء يحتل المدخل. كان لأم حنون تحمل طفلا. والدي لا تعجبهما اجابة الرجل لسبب ما. يحاولان شدي مجددا باتجاه الكورنيش. أبكي وأتمسك بالمدرسة اللي فيها تمثال ست منور. أخفق في اقناعهما.
5
يلحقاني بمدرسة في الجيزة يعتلي برجها ديك يتحرك باتجاه الريح. يعود بي باص صغير. يكلف عبد الحميد ذو العمة البيضاء بمهمة جديدة. توصيلي الى شقتنا في الدور الثاني. يمر شهر وتسمح لي أمي باعتلاء السلالم وحدي ولكنها تنسى ابلاغ عم عبد الحميد. يعود الباص. يمسك هو بيدي. أحاول افهامه أنني كبرت وأستطيع الطلوع وحدي. يأبى. أملأ أدوار العمارة الخمس صراخا دفاعا عن استقلاليتي!  
6
يبلغاني والدي أنهما سيتركانني أنا وأخي بعد أن ننام لمشوار قصير. أحس بباب البيت يغلق برفق. علي يغط في النوم. أسمع حفيف أقدام بجانبي في الظلام. أرتعب. أمد يدي الصغيرة وألمس قماشا. أبدأ في مناداة أهلي بصوت مرتفع. أجد أبي بجانبي. أحكي له عن وجود الحرامي. يضيء الغرفة ليؤكد لي خلوها منه. علي ما زال يغط في النوم. أؤكد أنني أمسكت به. يمسك أبي بستارة الشباك بجانب سريري "هذا ما أمسكت به". أرتعش خوفا. يحملني ويلف بي أرجاء الشقة الصغيرة لأتاكد من استباب الأمن.


7
في المنطقة كلها دكان واحد يبيع الحلويات. "أحمد عطية" في آخر شارع حوض اللبن وقبل شارع مستشفى الليدي كرومر. صار لي مصروف أسبوعي. يضيع كله هناك. البقالين في نفس الشارع ثلاثتهم من الخليل. تميزوا بالجبن والزيتون. ولهجتهم المحببة. 
لم يعد علي رضيعا. صار طفلا كتوما ومسالما. لا يضيع كل مصروفه عند أحمد عطية ويمضي وقتا أطول مني بكثير عند أكل الحلوى ويغيظني بعد أن أكون أنا انتهيت منها. عاد مرة الى البيت في شدة التأثر. حكى لنا أنه رأى رجلا يبكي في الشارع الطويل الملتف والملتوي بين مبنى دير المير دي ديو ومباني السفارة السعودية الادارية. كان بائع جرائد يحمل الورق المقوى فارغا، ينظر الى الارض يبحث عن شيء ما ويبكي. سأله علي وأجاب وسط دموعه أنه ضيع ايراد الجرائد. ما كان من علي غير أن منحه كل مصروفه الاسبوعي.  بابا وجارنا شاهدوا نفس الرجل في نفس الشارع بنفس القصة مرارا بعد ذلك.

8
أرتدي الآن زيا مدرسيا بنيا له ربطة عنق قبيحة مقلمة بالورب كناري وبني. صارت مدرستي الاعدادية والثانوية أبعد من حضانتي بكثير. في مصر الجديدة. ينتظر الاتوبيس أربع طلاب وأنا في موقف واحد في شارع قصر العيني. في نهاية شارعنا السلاملك يتفرع شارع آخر اسمه الحديقة. في منتصفه عمارة لها مدخلين - أحدهما في شارع الحديقة والآخر يفضي الى شارع القصر العيني. يختصر طريق المشي. وقتها كان للسيارات العابرة في شارع القصر العيني اتجاهين. وفي المنتصف خط الترماي. أسعد بخبث حين تقع السنجة أمامنا فيتعطل دقائق. يتيح لي الفرجة على الركاب بينما يهرول الكمساري ويشبكها بالخط الكهربائي. أتتني جرأة اعتلاءه يوما حين لم ألحق بموعد الاتوبيس. الترماي لباب اللوق ومنه للإسعاف ومنه لمنشية البكري وأمشي دقائق واصل مدخل مدرسة البنات في شارع جسر السويس. أعدل من هيئة الزي الكئيب قبل الابتسام لبواب المدرسة ليسمح لي بالدخول متأخرة عن الطابور الصباحي.
9
أفتتن بشخصية هيلين كيلير بعد قراءة كتاب. أقرر المشي في الشارع مغمضة العينين. قسمت المشوار حتى موقف الاتوبيس لمراحل أربعة. صار الموقف أبعد - عند العمارة الضخمة في آخر شارع اسماعيل باشا. أتمرن كل صباح. عددت الخطوات من عمارتنا لآخر سور الفيلا التي اشترتها السفارة السعودية الحديدي. أتوقف لأنظر مرة داخل السور للمبنى الجميل المهجور وحديقته المهملة ومرة للأشجار الجميلة عند تقاطع شارع الحديقة. أمر بمدرسة الابراهيمية وأعرج شارع مضرب النشاب وأغمض ثانية. أفتحهما قبل الميدان الصغير وأعبره مبصرة.  لا أذكر ان كنت بعد تمرين شهور قد قطعت المراحل الأربعة دون النظر خلسة..

10
تقطعت سبل الحياة في لبنان حيث عشنا سبع سنوات وبات أبي بدون مصدر رزق. جاب الأمة العربية وحمل معه أمي والمولود الجديد رامي وشهاداته وتركنا مع جدتي (أمه) عاما تولت رعايتنا في شقتنا. انشغلت جدتي بمشاكل عمتي الصغرى زاد من رباط الاخوة بيني وعلي. كانت لها جارة فلسطينية تقطن الدور الرابع. شابة من بيت لحم تأتي للزيارة تحمل طفلتها شقراء وعيونها لون البسلة. تترك في عهدتي في الشرفة الصغيرة ألاعبها وأشاركها حلوى الجارة. حين استقر الحال بوالدي مرة ثانية في القاهرة. صارت الجارة نادية أقرب صديقة لأمي تزورها كل يوم.


11
تغيرت معالم شقتنا مرارا. صممت لعازب بغرفة نوم واحدة كبيرة وحمام ومطبخ صغيرين وثلاث صالات متصلة الاخيرة عند الباب بها مدفأة حجر أحمر موصولة بسطح العمارة. الشرفة في آخر الشقة تجمع بين الغرفة والصالات. كانت قبلنا لزوجين ايطاليين مسنين. حين سكنها والدي وبحوزتهما طفلة عمرها ثلاث سنوات اقتطعوا جزء من احدى الصالات بحائط - صارت غرفتي. شاركني فيها علي. صرنا ثلاث بعد مولد رامي انتقل أبوي إلى الغرفة الأصغر احتلينا نحن الثلاث الغرفة الكبيرة مع إنشاء فاصل خشبي لا يصل إلى السقف وآخره ستارة قماشية بدلاً من باب حتى يكون لي أنا الابنة الكبرى خصوصية تفصل بيني وبين الصبيين. لم يحل ذلك من خلافاتنا المستمرة. مفتاح الكهرباء واحد وهم المتحكمين في الإضاءة - نوع الموسيقى التي أختارها فالصوت مسموع في الغرفة كلها - جوارب وصواريخ ورقية كثيرة طارت من فوق الفاصل مكونة الأسلحة في حروبنا الصغيرة.عند نجاحي في الثانوية وتقديم أوراقي للجامعة استنفذ أبواي مدخراتهم ليأتوا بمهندس ديكور عبقري أنشأ لي غرفة كاملة مستقلة مستخدماً الشرفة وجزءاً من غرفة الطعام في الجزء الشرقي من الشقة. 

12
قيلولة أمي مقدسة. ساعة ونصف من الصمت الاجباري كل يوم. تصحو في هدوء.  تخبز كعكة. تكون جاهزة مع أكواب النسكافيه للسيدات والمثلجات للصغار. مجلس الحارة ينعقد يوميا في السادسة. تحتل ماما وطنط نادية وحسنا الصالون تحتسين القهوة ويناقشن أحوال الصغار والدنيا والمسلسلات. الصغار رامي ورنا وميرال ولينا ونادين وريم بعد تناولهم نصيبهم من الكعك ينتقلون اما لبيت حسنا في الدور الخامس او عبر الشارع في بيت نادية. الرجال أيضا يهربون للمنزل الثالث - الفارغ من السيدات والأطفال. أنا تائهة بين الأدوار وعلي يقرأ كتابا. الى أن اكتشف التدخين. صار وقت اجتماع الحارة فرصته للتزويغ في شوارع جاردن سيتي هو ودخانه. مسكه متلبسا عمو محمد وعمو آفو عدة مرات. عنفاه ولم يبلغان أمي وأبي.

13
الخمس بنات نصبن رامي قائدا ومنحنه لقب الوطواط الكبير. لا يحب الاستيقاظ بالنهار ويفضل الليل. يلعبون وحدهم في أحد البيوت الثلاث. يتأمر رامي عليهن ويشترط قواعد اللعب. هم أول من اكتشفوا امكانية الاختفاء في سطح العمارة. كبير ويكشف الحي كله من النيل وعمارة بلمونت والمدرسة والدير من جهة حتى نهايتها في شارع قصر العيني نهاية شارع اسماعيل باشا وبداية شارع المبتديان. كلها يوما كانت قصر واحد "العالي". فوق السطح باءت محاولاتهم للشوي بالفشل. حرقوا دائما ما شووه لكن أسوأها كانت يوم حاولوا انقاذ الفحم الجاف بسكب زجاجة كولونيا.


14
حاز رامي على دراجة في عيد ميلاده. تعرف على ورشة نفخ الاطارات في شارع قصر العيني بجانب ورشة صنع المفاتيح عند منعرج شارع الطلمبات. كان يعلوه مجسم مفتاح كبير. كان العلامة الوحيدة للدخول الى بيتنا في جاردن سيتي من الشارع. شارع قصر العيني به ورش عديدة لخدمات الحي نفخ الإطارات صنع المفاتيح تصليح ساعات قطع الزجاج للمرايا واللوحات الفنية مكوجي ورشة لتصليح الكراسي مصوراتي محطة بنزين وصيدلية. لم يكن هناك دكاكين سوى محل لبيع الخمور ومحل خردوات واحد. أول دكان كان باتا للأحذية عند آخر حوض اللبن وتقاطعه مع القصر العيني. ما زالوا موجودين وعشرات من البقالين والدكاكين تبيع التليفونات والجوارب والملابس الداخلية. ورشة صنع المفاتيح تخلت عن مجسم المفتاح وأقامت قهوة الكراسي البيضا وحمدا صرت أعرف مداخل الحي بدونه. رامي بدراجته تخلى عن زعامة البنات وعن شوارع جاردن سيتي. صار له رفقاء دراجة آخرين من المنيرة وانطلقوا متسابقين على الكورنيش عبروا النهر وجابوا أنحاء العجوزة والدقي.

15
بعد سنوات سبع سكناها في لبنان عدنا لنفس البيت. انتقلت جدتي بعد رعايتها لنا عام لشقة في مدينة نصر. عمتي وزوجها تركوا شقتهم الصغيرة في شارع جسر السويس وبنوا عمارة في آخر الحي السابع. سكنت جدتي في الدور الثالث منها. كنا نصف الطريق لها أنه في نهاية شارع الطيران تنتهي الدنيا. بعدها تنعطف الى الشمال. تفرح ابنة عمتي بالفضاء المحيط وتقرر بدء رياضة الركض الصباحية في الشوارع الخالية. تشتري ملابس وحذاء رياضي جديد. تبدأ في الركض وتتوقف بعدها بثوان. عشرات الكلاب الضالة قررت ممارسة الرياضة خلفها.

16
بعد عودتنا استأجر أبي شقة ثانية في جاردن سيتي في شارع مضرب النشاب الذي تغير اسمه لمديرية التحرير. نقل اليها دار الفتى العربي من بيروت بعد انغماسها في الحرب واستحالة عودتنا هناك. عملت أمي معه تترجم وتجمع قصص التراث المصري والأشعار الفلسطينية. صرت طالبة في الجامعة الامريكية بعد رحلة شقاء في عام الثانوية العامة. تصحو أمي مبكرة وتتحرك قبلي الى المكتب. أمر عليها يوم الامتحان لتدعو لي قبل أن أنطلق لآخر شارع قصر العيني. المثير  المرور عند عودتي ومقابلة الكتاب والرسامين. أدعوهم بلقب "عمو"، ويعاملنني كشخص ناضج


17

أحمل مسؤولية بيت كبير. رجل مسئول وضيوفه متنوعين وكثيرا مجتمعين في المنزل . صبيين أحدهما مراهق صغير غاضب لموت أمه مبكرا. والآخر مراهق كبير يميل الى الصمت والوحدة. أنا لست زوجته ولا أمهما. حظي أن أكون الابنة/الاخت الكبرى. والبنت الوحيدة لأم رحلت في غيابها. توالت الجدتين رعايتهم حتى عادت من دراستها بالخارج. نسوا نظام الغائبة التشاركي في أعباء المنزل وصار حكرا على النساء - أنا -. أعمل ستة أيام في الاسبوع كمصممة لكتب الاطفال في دار الفتى العربي. وأعود لتولي ادارة المنزل العامر. في غضون شهور قليلة اكتسبت شخصية الاخت دائمة الشكوى والصياح. انتقلت العائلة لشقة أكبر في جاردن سيتي. في الدور الرابع عشر. اشتراها والدي ولم تلحق أمي نتيجة تشطيبها والانتقال اليها. غبت عام كامل خلالها تأقلم أبي وأخوي على فكرة غياب امي. طوال فترة غيابي توهمت أن أمي هناك في القاهرة. عند عودتي كان علي وحدي مواجهة حقيقة غيابها. وحقيقة منزل جديد. في عمارة بنيت حديثا لا تحمل تاريخا لأحد. عزائي الوحيد كان شباك غرفتي المطل على جامع السلطان حسن والقلعة. والقمر. اكتشفت بعدها بفترة كل الأسطح من حولي. كل سطح يحمل قصصا وسير لحياة بإيقاعات مختلفة. هنا عائلات يقفن طابورا في الصباح على الحمام الوحيد. وهنا سطح مقسوم اثنين جهة لعائلات النوبة والأخرى لعائلات التي اتت من الدلتا. سطح مزين بنباتات كثيرة صار حديقة. وسطح آخر يعود عائلها ساعة قبل المغيب. يفرش ملاية على الارض ويتناول طعامه مع سرب حمام يعوده من أرجاء المدينة. يؤنسني الحمام. وأتخيله يزور الأميرة الأسيرة في البرج العالي حتى حملت كاميرتي وذهبت مستكشفة لأسطح جاردن سيتي وقصص ساكنيها.
18


استلمت مسؤولية ادارة المنزل يوم عودتي من السفر. وان استمرت جدتي لأمي فاطمة في زيارتنا من حين الى آخر. تحمل لنا بيضا وحماما وفطيرا وتملأ مكحلتي النحاسية كحلا صنعته لي من لبان الدكر. لا تتحمل الابتعاد عن بيتها وحديقتها ونخلاتها وطيورها في المندرة أكثر من  خمسة أيام. أكبر مخاوفها في الرحلة كانت ركوب القطار وخاصة النزول منه - عتبة بابه عالية عن رصيف المحطة. كادت ان تقع أكثر من مرة. 
تنتقد ارتدائي للبنطلون وتكرر أمنيتها لي رؤيتي مرة بفستان.  تنزعج من شعري الطويل المموج "المنكوش" وترجوني الذهاب لفرده. الى أن أقنعتها أن ست الحسن والجمال في الحواديت التي كانت تحكيها لنا صغارا - كان شعرها طويلا ومموجا. حين سألتني أخرجت لها كتابا للقصص الشعبية المصرية رسمها ايهاب شاكر من اصدارات دار الفتى كانت أمي ساهمت على جمعها بقيادة عبد الفتاح الجمل. كانت فخورة أنني أعمل حيث عملت أمي.  
أعود من العمل لنخطط رحلة قصيرة انا وهي. سوق باب اللوق للأدوات المنزلية مولد السيدة زينب وكثيرا الى السينما. اصطحبتها مرة هي وجدتي لأبي سميحة اللبنانية لفيلم سمك لبن تمر هندي. جلست بينهما. جدتي سميحة ظلت منزعجة طوال الفيلم تريد العودة الى البيت ولا تفهم نكات الفيلم وجدتي فاطمة مسخسخة على روحها من الضحك.   
في يوم أخير قبل عودتها الى الاسكندرية ودقائق قبل تركي للمكتب في الدور الارضي في شارع مديرية التحرير سمعت صراخا. بدلا من المشي الى المنزل خرجت الى شارع قصر العيني. هرج ومرج. البشر يركضون في كل اتجاه. صياح وبكاء في مدرسة البنات في الفيلا الاثرية عبر الشارع  (صارت مبنى لمجلة روز اليوسف). المعلمات يركضن تاركات الطالبات خلفهن يتقافزن فوق السلالم العتيقة ويسحق بعضهن البعض. أشد مارا وأسأله "زلزال، زلزال". أقلق وأحث الخطى الى المنزل - جدتي وحدها. يحذرني البواب من الطلوع ويؤكد لي أن جدتي آخر من سمحوا له النزول بالمصعد. "وأين ذهبت؟؟" "ركبت السيارة مع جيراننا". أنتظرها في الشارع ساعتين. أضرب أخماسا في أسداسا. هلت سيارة الجيران وفي معيتهم تيتة. خافت حين اهتز المنزل. وقعت كل الكتب والصور من الأرفف. فتحت الباب ورأت جيراننا يحاولون تهدئة الشغالة الصغيرة التي كانت ستقفز من الدور الرابع عشر لخوفها من وقوع العمارة. نزلت معهم بدون مفتاح. عرضوا عليها الذهاب معهم الى النادي. 
جدتي تجولت في جاردن سيتي وذهبت الى نادي الجزيرة - بقميص النوم وطرحة الصلاة. لم تعد تذكر بنطلوناتي وشعري المنكوش أبدا بعدها
19
 

الحرب على لبنان مشتعلة. بيروت محاصرة أرضا وبحرا وجوا. القاهرة أيضا مشتعلة حرا ورطوبة. تعقد لجان مناصرة للشعبين الفلسطيني واللبناني. أنغمس مع مجموعات مختلفة محاولة أن أكون مواطن مفيد. أساعد يوما في توزيع أوراق تحث المواطنين لمقاطعة البضائع الامريكية. كنا خمس بنات طبخن "الغرا" لأول مرة في حياتنا. أعجب لفقر المنطقة. دكانها الوحيد بالكاد يبيع الجبن القريش والشاي السايب. أعجب أكثر من الذكر الوحيد الذي ظهر فجأة مع المجموعة آمرا متسلطا مع انه لم يشارك في التحضير. مرة أخرى أساهم في تنسيق مؤتمر شعبي في السيدة زينب. يتضمنه تعليق يافطات وترتيب كراسي وتوزيع كتيبات والأهم شرح الأخبار للأهالي. بعد يوم طويل مرهق تعرض صديقة كانت تساعد توصيل ما تمكن من المشاركين الدخول في سيارتها الفولكس الصغيرة. ركبها ستة أشخاص بأعجوبة. كنت الأولى في ترتيب الوصول. السيدة زينب لا تبعد كثيرا عن جاردن سيتي. حين توقفت صديقتي أمام العمارة صاح أحدهم "ايه ده ساكنة في جاردن سيتي؟ بورجوازية يعني؟؟" ولأول مرة تسعفني سرعة البديهة  " ايوة بورجوازية عندي تطلعات بروليتارية".

أحد الاجتماعات المسائية عقد فوق سطح منزل محامي في المنيل. وسط اللغط والزحام طلبت مني صديقة العائلة أن أعتني بابنها الصغير ريثما تأتي بدواء من الصيدلية. نقاشات وصراخ وكراسي فراشة تزداد فوق السطح المطل على النيل. دقائق مرت هرج ومرج. قوات الأمن هجمت على السطح. أسرع الجميع بالقفز والركض محاولين الوصول الى الشارع. وأنا معهم وفي يدي يد ياسر الصغير. 
في الشارع بوكسات الأمن وهراواتهم في انتظار الجميع. حاولت الركض وأنا واعية بعدم جدوى ركضي ومعي الصبي. وسط الزحام - السيارات، الدكاكين، رجال الامن والراكضين في كل اتجاه لمحت دكانا ملونا منيرا أمامه طابور وقفنا وراءه. اكتشفت أنه محل آيس كريم. اشتريت لي وللصغير وخرجنا بالبسكوتتين الممتلئتين الى الشارع مرة أخرى. ما زال الأمن يضرب ويقبض على الناس. لم نحاول الركض مرة أخرى. وقفنا على حافة الرصيف بجانب المدرعة نراقب الضرب ونلحس الأيس كريم  في صمت... كنا الوحيدين الذين نجونا من الاعتقال.
عدت الى جاردن سيتي مشيا - سالمة!

20
  

نجوت من حادث المنيل ومن ضرب مسيرة الازهر ومن غباء بعض المشاركين في اللجان المناصرة للشعبين الفلسطيني واللبناني. الحدث المثير بالنسبة لي كان الأسبوع الفني والثقافي في قاعة النيل التابعة للآباء الفرنسيسكان في شارع محمد فريد. كان جدولا حافلا اشترك في فقراته عدد كبير من الفنانين المصريين بالغناء والعزف والأفلام وإلقاء الشعر. قامت دار الفتى العربي بمعرض كتاب  أمام القاعة. سمعت أمي عن فيلم توثيقي عن المرأة الفلسطينية "الذاكرة الخصبة"  لمخرج فلسطيني شاب من الناصرة اسمه ميشيل خليفي وسعت جاهدة لعرض الفيلم في هذا الاسبوع وجمع المال لدعوته المشاركة بشخصه وفيلمه خلال الاسبوع. ساعدها سمير فريد. دعى والدي ميشيل بعدها للعشاء في منزلنا للتعرف عليه. حكى لنا حلمه لفيلمه الروائي الاول. أهم ليلة بالنسبة لي كانت الاخيرة. غنى للجمهور الشيخ امام وغنيت أنا لفلسطين فقرة صغيرة قبله. (كان صوتي مقبولا قبل بداية التدخين). 
وأنا صغيرة حرمت من لقائه.  كنت أترك في البيت لرعاية أخويّ ليالي زيارة أبي وأمي لبيوت الأصدقاء للاستمتاع بغناءه. كان وبقي محظورا في القنوات الرسمية.                 
حين قبلت الفرصة المتاحة لي لأكمل دراستي العليا في الولايات المتحدة الأمريكية وكانت أول رحلة لي أغادر فيها أرض الوطن وأبقى بعيداً عنه لمدة طويلة. غياب قد يطول لسنة كاملة قبل استطاعتي العودة في زيارة أولى اجتاحني أحاسيس قوية ومتشابكة لفراق الأهل، البيت، والبيت الأكبر. اختلطت مشاعر الرهبة من المجهول، الشوق، الحزن للفراق، ومن تغير الأشياء في غيابي. هالني ما يمكن فقده في غيابي. أحسست بأني أريد وداع من كوّنوا رموز شبابي ووعيي. أردت زيارة الشيخ إمام.
طلبت مساعدة صديقتي عزة لصداقة والدتها محسنة توفيق مع الشيخ ومعرفتها لمكان إقامته. انطلقنا بعد ظهر يوم إلى حوش قدم. سألنا عن الشيخ في الحارة، عرفه الكل، ودلونا إلى دكان البقال الذي كان يجلس دوماً أمامه. حين علم الشيخ بمقصدنا قام واستضافنا في المقهى أمام منزله. جلسنا ثلاثتنا نحتسي الكوكاكولا. لم أكتف بذلك. طلبت منه زيارة بيته. كان محرجاً للغاية من غرفته المتواضعة ولكنه وافق بعد إصراري.
صعدنا السلالم القديمة. بيته مكوّنٌ غرفتين صغيرتين ليس بهما من الأثاث سوى سرير عريض وبعض الكراسي الخشبية. ملابسه كلها معلقة على ماسورة خشبية بعرض الحائط -  بجانبها علق العود. وشباك صغير.
مرت لحظات من الصمت العميق. استجمعت شجاعتي وسألته إن كان يريد أن أصف له المنظر من الشباك. وصف لنا هو المئذنة العثمانية التي تجاوره وأضاف أنه أذّن للصلاة منها في شبابه ومن جامع آخر بنفس الحي.
أفشت عزة بسري. قالت له أنني بدأت تعلم العزف على العود فأصر على إنزال عوده المعلق وطالبني بالعزف. تصاعدت الدماء إلى وجهي وأذني. لم يرهم الشيخ وإن كنت متأكدة أنه أحس بتوتري. لم أكن سوى تلميذة مبتدئة. دس بالعود بين ذراعي وبدأ في توجيه النصح في مسك الريشة. جاملني  بقوله أنني بقليل من التمرين سأصبح عازفة ماهرة.
لحظات من صمت أحاطت بنا للمرة الثانية. كنت أتمنى أن يعزف هو لي. لي وحدي- أنا - أزور الشيخ إمام في بيته - أنا أودع الشيخ - أنا مسافرة وحدي. فجأة تحقق الحلم. سألني عن أغنيتي المفضلة. بتلهف طلبت أن أسمع "حلوا المراكب" وغناها لي الشيخ. بعدها غنى لي أغنيته هو المفضلة.. أغنية عشق مصفاة: "عشق الصبايا"! كان مبتسماً وهو يقول "شوف الحكاية يا وله، شوف الحكاية.. عشق الصبايا يا وله طول معايا".
بعد أن انتهى وقفنا ثلاثتنا. وقفة الوداع. حدث ما لم أكن أتخيله. استند الشيخ على كتفينا أنا وعزة. ارتعش وارتعشنا. بكى وقال "أوعوا تنسوني.. أوعوا تنسوني". كانت لحظة مرعبة. لجمالها. أجبت أنا "إحنا ما نقدرش ننساك انت اللي ما تنساناش، حتوحشنا".
نزلت السلالم وقدميّ تصطك ببعضهما. سافرت بعدها بيومين.
حين عدت بعد سنتين حاصلة على شهادتي، كانت أمي رحلت عن دنيانا في حادث سيارة. صرت مسؤولة عن بيت كبير وأخوين. لم أعد أستطيع أن أكمل دروس العود كما أوصاني الشيخ. 
بعدها بسنوات كثيرة رحل عنا الشي

21

استمر حصار بيروت 88 يوم الى أن قرروا اجلاء الفدائيين. السفن المتجهة الى السودان واليمن كانوا ستمر عبر قناة السويس. مرت علي ميسون بسيارتها السيات 133  الصغيرة ذات البابين.  تجمعت السيارات في ميدان التحرير في الفجر وانطلقنا في شوارع المدينة النائمة إلى طريق السويس. سيارات كثيرة لحقت بالركب. من الشباكين الخلفيين لكل سيارة، رفرف علم فلسطيني كبير. في مصر الجديدة، لحقت بنا بعض الباصات من جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. لما وصلنا إلى الطريق الصحراوي كان الموكب يشبه لقطة من أفلام كيروساوا ولكن بتفاصيل حديثة. وقفنا للاستراحة والتشاور. عشرات من السيارات والباصات اصطفت على جانبي الطريق، مكونة صفاً ملوناً طويلاً يمتد في الصحراء الذهبية، وأعلام ترفرف عالياً في السماء الزرقاء. تبادلنا زجاجات الماء والسندويشات.  اخترنا السويس لانتظار وتحية سفن الفدائيين الخارجين من معركة بيروت. الذين صمدوا ثمانين يوماً في وجه القصف الإسرائيلي. راحلين إلى السودان واليمن مروراً بقناة السويس.  اشتعلت في كل كاسيتات السيارات أغنيات النضال تحضيراً للحناجر للغناء للأبطال. فيروز، الشيخ إمام، مارسيل خليفة، أغاني المقاومة وحتى  أغاني الثورة لعبد الحليم حافظ مع استبدال اسم ناصر بياسر.
في القنطرة خرج عجوز فلسطيني محاولاً اللحاق بالركب. اعتقد من منظر الموكب أن فلسطين تحررت. ظل يدبك بعصاه أمام السيارات. فشلنا في إفهامه أن فلسطين لم تتحرر بعد، وأخذناه معنا.
قبل الوصول إلى السويس، أوقفتنا سيارات أمن الدولة ووجهتنا للمكان الذي اختاروه لانتظارنا الأبطال. منخفض عريض على القناة مباشرة بعيداً عن العمران. لم نساوم. كانت الساعة العاشرة والنصف صباحاً والمفترض مرور السفن في الثانية عشرة. الحماس على أشده. الحناجر تصدح بالأغاني وبهتاف ثورة ثورة حتى النصر. علقت لافتات الترحيب بين النخلات لتكون واضحة للمراكب عن بعد. زينت الأعلام الفلسطينية صدور الجمع والأحجار المطلة على القناة. الرجال والنساء والأطفال يدبكون مهللين وملوحين بالأعلام."ياسر واحنا كلنا حواليك" "ياسر، ياسر، ياسر" "وعيون الدنيا عليك". اقتربت الثانية عشرة فاقترب الجمع من مياه القناة العميقة، حتى كاد البعض أن يقع فيها. وعلا صوت الحناجر.
الثالثة بعد الظهر والشمس ساطعة، حامية،  فوق رؤوسنا فلا ساتر على ضفة القناة سوى بعض النخلات النحيفات. ولم تلح أي بادرة لظهور السفن. بدأ الأطفال في التململ مطالبين أهاليهم بالطعام. جاء جندي يخبرنا أن السفن لن تصل قبل السادسة. جاءت الفرصة لقليل من الراحة، أهمها راحة للحناجر التي بدأت في البحة. افترشنا الأرض وتشاركنا في القليل من الطعام الموجود فالرحلة كان مقدر لها أن تنتهي قبل العصر. 

قبل السادسة بكثير، صدحت الحناجر مرة أخرى. اتجهت الأنظار إلى الشمال الكل يريد أن يحظى شخصياً باللمحة الأولى. عادت حلقة الدبكة وسط الهتاف. رفرفت الأعلام عالياً، بنسائم الأصيل. لكن المغيب أدركنا بظلامه قبل أن يدركنا بالبشارة.
ظهرت مشكلة جديدة. كيف للفدائيين أن يرونا في الظلام؟ كيف سيدرون بوجودنا وقد أتينا فقط لتحيتهم؟ كيف سيقرأون اللافتات المرسومة بالمحبة والأشواق؟ ذهب وفد صغير للتفاوض  مع ضابط المباحث المكلف بحراستنا - بمراقبتنا - كان نتيجته تركيب كشافين على نفس النخلتين التي علقت بينهما اللافتة القماشية الكبيرة. مرسلين نوراً ضعيفاً بالكاد يضيء أشباحنا الهائمة في ظلام الصحراء.
حين صارت العاشرة كان الكثير من الأطفال قد ناموا في أحضان أمهاتهم. تفرق الجمع مفترشين الصخور والأرض، منهم من يدخن في صمت، ومنهم من يقرأ في هدوء أبياتاً حفظها من الشعر، ومنهم من يناجي السماء ويحلم بالوطن. ناقش البعض بداية العودة إلى القاهرة. خاصة العائلات التي جاءت بأطفالها أو بكبار السن. طرح البعض فكرة المبيت في بور سعيد والعودة في الصباح التالي. تمسكت الأغلبية بالانتظار. طالما أن أحداً لم ينف مرورهم الليلة، فالأمل موجود. فلننتظر.

كان الصمت مطبقاً. الليل في الصحراء. إرهاق يوم طويل أشعلته مشاعر في أوجها. لذا كان أول ناقوس هدر من بعيد كاف لإيقاظ الجميع كمن ألهبتم ضربة سوط مفاجئة. في لحظة هبوا. كتلة بشرية واحدة. رفعوا الأعلام التي التحفوا بها من البرد. بدأوا في الركض في نفس الاتجاه التي تسير فيه السفن  محاولين في هباء اللحاق بها، صائحين ثورة ثورة حتى النصر، ثورة ثورة حتى النصر، ثورة ثورة حتى النصر... سمعونا في السفن فبدأوا في التصفير وأشعلوا  لنا من متنها مئات الولاعات تومض مشاركة التحية قي قلب الليل. عبروا في ثلاث دقائق واختفوا. أكملنا الركض في نفس الاتجاه.. في قمة الانفعال وما زال هتاف ثورة ثورة حتى النصر  يدوي ويعود مكرراً مع صدى الصوت والريح. انخرط الجميع في بكاء تقطعت له رمال القناة.

ليست هناك تعليقات: