السبت، 4 ديسمبر، 2010

رندا شعث في معرض جديد: صور لن تنشرها الجريدة


رندا شعث في معرض جديد: صور لن تنشرها الجريدة

من جريدة الاخبار البيروتية فى 4 دسمبر 2010

من المعرضمن المعرضالفنانة الفلسطينيّة تحب الناس فتصوّرهم. ذات يوم وجدت نفسها أمام كليشيهات «خارج الألبوم»، فصنعت منها معرضاً في شقّة في الزمالك
القاهرة ــ محمد خير
«أتفهّم توتّر الناس عندما أصوّرهم»، تقول رندا شعث. «في التصوير شيء من الاقتحام، شيء من العدوان»، تصمت ثم تبتسم معترفة: «أنا نفسي أخجل عندما يصوّرني أحد». لهذا ربما، تترصّد في معرضها القاهري الجديد «خارج الألبوم» لحظات لا يتنبّه فيها أحد إلى الكاميرا. لقطات ما خلف الصورة، ما وراء الرسميات، ما قبل النظر إلى العدسة. ظل طفلة راقصة انعكس على جدار. بائعة شاردة في محل تجاري. عائلة تتناول الغداء. عروسان يتحدثان في الشارع، لكن «معظم صور المعرض من حياتي وحياة عائلتي» تكشف رندا، «لأنّي في السنوات الأخيرة لم أمتلك ما يكفي من الوقت لمراقبة الآخرين». شُغلت رندا في عملها رئيسة لقسم التصوير في جريدة «الشروق»، فلم تعد تزاول التصوير كثيراً، لكنها استمرت في تسجيل مشاهد يوميّة من حياة العائلة والأصدقاء. وفي لحظة ما، وجدت حولها كنزاً من الصور «غير الرسمية». واصلت التسجيل ليتفتّح المشروع عبر عدستها المتسللة، فكان معرضها الجديد الذي اضطرت فيه إلى استئذان مَن صورتهم قبل عرض الصور. «وافقوا جميعاً» تقول متنقّلة بين الأعمال، فيبدو مجال «العائلة» أكثر اتساعاً من صلة الدم. ها هو يسري نصر الله مستريحاً من بعيد على كرسيّ الصالون، ومحمد عبلة غارقاً في الظل خلف باب مرتفع، وتطلّ «الصحافة» في صورة جيهان السادات جالسة في إرهاق الشيخوخة، تبدو كنائمة وأمامها قطتها النائمة بدورها على طاولة الصالون، وهي صورة لم تنشرها الجريدة. المعرض الجديد هو الـ 15 في مسيرة رندا شعث. المصورة الفلسطينية المصرية لم تعد مشغولة بجنسيتها: «أنا أيضاً لبنانية وجزائرية، بل منحت نفسي الجنسية السويسرية (تضحك)، لكن تلك قصة أخرى». المعرض لا تستضيفه أيّ غاليري أو أتيليه، هو في شقة سكنية في الطابق الثالث من إحدى بنايات حي الزمالك. عندما بحثت رندا عن قاعة تستضيف معرضها، وجدت تأجيلاً من قاعات العرض المحجوزة سلفاً لأسابيع طويلة. اقترح صديقها الأكاديمي كمال فهمي المدرس استضافة المعرض في شقته. تحمست للفكرة التي وجدتها قريبة من روح المعرض نفسه.
قاومت الديجيتال طويلاً ثم رضخت لهذه التقنية التي تمنح فرصة للجميع
وسط دوّامة العمل المرهق في الصحافة اليوميّة، تستعيد الفنانة بشيء من الحنين تجربتها الطويلة في العمل مع «أهرام ويكلي»، ورئيس تحريرها الراحل حسني جندي: «كان شغوفاً بفن الصورة، أتاح للفوتوغرافيا أكبر مساحة على صفحات الجريدة». لكنّ الاهتمام الذي أولته الـ«ويكلي» للصورة في عهد مؤسسها الراحل، لم يكن العامل الوحيد لتميز التجربة. كانت الجريدة أسبوعية، ما أتاح فسحة الوقت اللازم للفوتوغرافيا كما تعرفها شعث. «أعبر عن نفسي وعن أفكاري من خلال التصوير. ربما لذلك، اخترت التصوير التسجيلي الذي يتيح فرصة التأمل، وبناء علاقات مع الناس، بل أحياناً أقيم العلاقة الإنسانية، ولا أصوّر سوى ما أحب. لذا لا أستطيع تصوير مكان لا أعرفه ولا أفهمه بما فيه الكفاية».
لكن المعرفة والحب والفهم المتأني متطلبات تحتاج إلى تمهل قد لا تسمح به دوامة الصحافة اليومية، فضلاً عن أن «الصحافة العربية لا تهتم بالصورة كما ينبغي». أي أن تكون الصورة جزءاً أساسياً من التقرير الصحافي. اليوم، تحاول شعث تنفيذ رؤيتها من خلال مصوّريها الشبان في «الشروق»، تستمتع بتدريبهم: «ربما اكتشفت في نفسي شخصية معلمة»، تقول، هي التي عملت سابقاً مع أحد أشهر المعلمين الراحل محيي الدين اللباد، وأصدرت من خلال «دار الفتى العربي» كتابين فوتوغرافيين: «وطني على مرمى حجر ـــــ مخيم فلسطيني في مصر»، و«مصر أم الدنيا» عن آثار القاهرة الإسلامية.
مجموعة صور «خارج الألبوم» إذاً، جمعتها رندا شعث وأقامت بها معرضاً. لكنّها وفّرت لها فكرة معرض آخر بعنوان «بيت جدتي»، وهو مشروع قديم أرادت فيه توثيق البيت الذي بناه جدها لأمها بيديه في اسكندرية الثلاثينيات. البيت العتيق في منطقة المندرة، أحاطته الآن الأبراج السكنية العالية، وهو مهدد بأن يبتلعه وحوش الاستثمار. هناك مشروع آخر أرادت تنفيذه. بعد اتفاق «غزة أريحا أولاً»، زارت فلسطين باحثة عن مسار خط سكة حديد الشرق القديم. القطار الذي ربط قديماً بين مصر وفلسطين لم يعد له وجود بعد الاحتلال الإسرائيلي. حتى إنّ إسرائيل استخدمت بقايا القضبان الحديدية في تدعيم خط بارليف على طول قناة السويس. أرادت ابنة نبيل شعث توثيق ما جرى لقطار الشرق، لكنها لم تجد شيئاً. في غزة، سألت عن موقع محطة القطار القديمة فلم يعرفها أحد. بضربة حظ، لمحت لافتة فندق قديم، كتب عليها «فندق المحطة». هناك أشار إليها شيخ من السكان نحو البيت الذي أقيم في مكان المحطة القديمة. ما زالت بقايا أحجار المحطة بين أساسات البيت. ساكن البيت حكى لها عن المحطة التي كانت المعبر بين فلسطين والمملكة المصرية، انحنى ورسم على الرمال هيكل المحطة القديمة كما كانت قبل ستين عاماً. تقول «كانت تلك صورة رائعة لم ألتقطها».
بدأت رندا التصوير بالأبيض والأسود. واكتفت باللونين وظلالهما طويلاً جداً. لم تدخل الألوان لوحاتها الفوتوغرافية إلا منذ فترة قريبة. «للّون حرارة يجب استعمالها بحساب ولتحقيق معنى» تقول. أما الأبيض والأسود، فأصبح استخدامهما أصعب مع مرور الزمن. والمفارقة أنّ خام أفلام الأبيض والأسود وحده يتحدى الزمن وقد يعيش مئة عام. لكن المعامل التي تحمض الألوان القديمة وتطبعها، أخذت تختفي يوماً بعد آخر. على أي حال، كانت رندا تحمض صورها بنفسها، وما زالت تحتفظ في البيت بمعمل التحميض رغم أننا دخلنا عصر الديجيتال. «كنت متوجسة من الديجيتال ربما لأنه سهل الاستخدام، ولكونه أتاح التصوير للجميع ما هدد مكانة المصور». لكنّها توصلت إلى هدنة مع التصوير الرقمي في النهاية، ورضخت لمقتضيات التقدم: ينبغي أن نعترف أيضاً بأن التقنيات الجديدة، «تمنح جميع الناس فرصة التعبير عن ذواتهم». هؤلاء الناس الذين ظنت أنّ كلاّ منهم يصلح بطلاً لصورة، ثم اكتشفت أن ذلك ليس صحيحاً. المصورة التي تحمل خبرة طويلة في التواصل مع شخوص لوحاتها الفوتوغرافية، لم تستطع إكمال مشروع معرضها «الرصيف»، بعدما اصطدمت أثناء تحقيقه بتصاعد العنف المستتر في الشارع، وتزايد كلمة ممنوع التي يواجهها المصور في كل شارع عربي... فضلاً عن نغمة «سمعة مصر» التي أصبح المصور يواجهها في الشوارع المصرية، كلما أراد تصوير شيء غير الفنادق والأهرام. يستعرض المشروع لحظات إنسانيّة خاصة في أماكن عامة، وقد عُرضت صور «الرصيف» مع إشارة إلى كونه مشروعاً لم يكتمل. يبقى التصوير خارج المدينة أسهل، تلاحظ رندا، حيث البشر أقل عنفاً وأكثر فضولاً وحباً للكاميرا. وتبقى مهمة المصور التواصل مع الناس الذين يحبون الظهور في صورة جيدة، مهما كانت ظروفهم، وهم يدركون فوراً هدف المصور، يميزون بين من يصورهم تسجيلاً لحياتهم، أو تعالياً عليهم، أو حباً لهم.
حتى 9 كانون الأول (ديسمبر) ـــــ 3 شارع أحمد حشمت، الزمالك ـــــ الدور الرابع. للاستعلام: 0020106154670


«أبناء» رندا
ما تعلّمته رندا شعث من فريق المصوّرين الذي تديره في «الشروق» هو «ديموقراطية الصورة». هؤلاء الشبان أبناء العصر، وما يوفّره من الوسائط الحديثة. لكنها تهددهم أحياناً ضاحكة «إذا ماسمعتوش كلامي هامشي». لن تنفّذ التهديد إلا إذا شعرت بأنها انتهت من نقل خبرتها إليهم. تصمت ثم تقول: «ربما تعرف أنني فقدت ابناً قبل أيام»، تقصد المصور الشاب محمد حسن، الذي توفي في حادث أليم قبل عيد الأضحى الأخير.

ليست هناك تعليقات: