الاثنين، 17 سبتمبر، 2012

وائل غنيم يكتب: مأساة «مُحمّد»




وائل غنيم

              أثناء رحلتي الأخيرة إلى لندن للمشاركة في أحد المؤتمرات التقنية، تجاذبت أطراف الحديث مع سائق السيارة والذي بدا واضحا لي أنه مسلم، حيث كان ملتزما بإطلاق لحيته اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بعد أن بادرني بتحية الإسلام حينما علم أنني عربي.

             محمد، صومالي الجنسية، في الثلاثينيات من عمره، يعيش في بريطانيا منذ سنوات، يتكلم العربية بلكنة أهل إحدى المدن الخليجية الساحلية، تجاذبت معه أطراف الحديث عن الصومال خاصة بعد خبر نجاة رئيس الجمهورية هناك من محاولة لاغتياله بعد أيام قليلة من تنصيبه رئيسا للبلاد على يد حركة الشباب الجهادية المتطرفة والتي من أجل السلطة والصراعات الأيدولوجية استحلت دماء الكثير من المسلمين من أبناء الصومال لتحقيق أهدافها السياسية .. عبر لي عن حزنه مما يحدث هناك من صراعات لم تأت بخير على بلاده وجعلت أكثر من ثلث سكانها يهاجر إلى مختلف دول العالم .. وجعلت تلك البقعة الجميلة من العالم ساحة للحروب والاقتتال ..

وشيئا فشيئا تطرقنا في الحديث عنه وعن حياته الشخصية ..

سألته، أين كنت تعيش قبل مجيئنك إلى بريطانيا؟ فأجابني بأن أهله غادروا الصومال بعد عامين من ولادته فقضى عمره في إحدى الدول العربية التي عمل فيها والده حتى توفّي تاركا إياه هو وباقي أفراد أسرته .. ووقتها اضطر محمد اضطرارا لمغادرة تلك الدولة العربية والبحث عن دولة أخرى بعد أن حاول الحصول على وظيفة ولم يفلح وقوانين البلد لا تسمح بمنح الجنسية لمن يقيم بها حتى لو قضى بها كل حياته طالما لم يكن من أب وأم حاملين لجنسية هذه الدولة .. ولم يكن الصومال خيارا مطروحا له بسبب ما يحدث هناك من حرب أهلية وعدم قدرته على التأقلم مع ظروف الحياة هناك ..

اتخذ محمد قرارا بالهجرة غير الشرعية إلى أوروبا .. شيئا ما في صدره جعله يشعر بتناقض غريب حيث يضطر اضطرارا لمغادرة بلد ينتمي كل سكانه إلى نفس دينه الذي ترفع الدولة رايته ويهاجر إلى دولة بالنسبة له تمثل ثقافة مختلفة تماما عن ثقافته بل ومتعارضة معها أيضا .. ولكن الخيارات لم تكن كثيرة أمامه ..

خاطر محمد بحياته أثناء رحلته من تلك الدولة إلى بريطانيا .. بدأت الرحلة بسوريا ثم فر عبر أسلاك الحدود إلى تركيا ثم هولندا ثم بريطانيا برحلة تستحق أن يفرد لها فيلم هوليودي ناجح ..

بعد أيام من وصول محمد إلى بريطانيا قرر تسليم نفسه لمكتب الهجرة هناك معترفا بهجرته غير الشرعية وطالبا اللجوء السياسي .. تم التحقيق معه على مدار عدة أيام .. أخذ المحققون يسألوه نفس الأسئلة مرارا وتكرارا للتأكد من صدقه.. وبعد أكثر من 15 يوما من التحقيقات .. سأله المحقق قبل إعلان قرارهم النهائي: "ماذا ستفعل إن أعطتك بريطانيا حق اللجوء السياسي؟ وماذا ستفعل إذا تم الرفض" .. قال له: "إن قبلتم طلبي للجوء فقد كتبتم لي حياة جديدة .. وإن رفضتم فقد حكمتم علي بالإعدام فلا مكان أذهب إليه اليوم بعد أن نفدت أموالي ولا يمكنني العودة للصومال .. ولا حتى للبلد التي عشت فيها كل حياتي"

حصل محمد على حق اللجوء السياسي في بريطانيا ويومها شكر المحقق وقال له: "سأنجب أبنائي في بريطانيا وسأجتهد في تربتيهم حتى يكون كل منهم مواطنا صالحا يخدم بلده .. وسيكون لك الفضل في ذلك" ..

بعد عام تزوج محمد من فتاة تعيش بالصومال وقدم على طلب لاستقدامها لبريطانيا وسافرت زوجته بأوراق شرعية عبر كينيا إلى بريطانيا .. والآن وبعد عدة سنوات من العيش في بريطانيا محمد لديه جنسية بريطانية هو وزوجته وأولاده الثلاثة .. يحصل بشكل شهري من الحكومة البريطانية على 150 جنيه إسترليني (1500 جنيه مصري) 50 جنيها للطفل الواحد كإعانة على الإعاشة .. و200 جنيه استرليني (2000 جنيه مصري) كإعانة للسكن ولزوجته غير العاملة .. حكي لي أنه كان يحصل أسبوعيا من مكتب مكافحة البطالة هناك على 75 جنيها استرليني (750 جنيه مصري) حينما لم يكن قادرا على إيجاد وظيفة عمل .. وابنه الأكبر اليوم في مدرسة ابتدائية ويتمرن في مدرسة الكرة منذ أن كان في الثالثة من عمره في نادي ويستهام الإنجليزي ويأمل محمد أن يرى ابنه لاعبا كبيرا في الدوري الإنجليزي بعد عشرة سنوات من الآن ..

قد يرى القارئ قصة محمد تجسيدا لمحاولات الكثيرين تحسين صورة الغرب برغم الكثير من الجرائم التي ارتكبها سياسيوهم وصانعي قرارهم وجيوشهم والتي تسببت في مقتل مئات الآلاف من المدنيين في عالمنا العربي وغيره .. ولكن الحقيقة هي أن قصة محمد استرعتني لأنها قصة مليئة بالتناقضات والغرائب التي تستدعي أن نفكر كثيرا .. وألا نحاول دائما اختزال الصور الذهنية وحكمنا على الآخرين من حولنا عبر قوالب الشر المطلق والخير المطلق ..

الدولة العربية التي تطبق شريعة الإسلام التي يؤمن محمد بها هي نفس الدولة التي رفضت بقوانينها أن ينال محمد حقا من حقوقه في أن يعيش بها ويحمل جنسيتها بالرغم من أنه عاش كل حياته بها ..

الدولة الغربية التي قد يعتبر سياسيوها والكثير من قادة الرأي فيها المسلمون والإسلام خطرا عليهم هي نفس الدولة التي أعطت لمحمد حق اللجوء فيها بعد أن قضى ما لا يزيد على 15 يوما بها .. ثم أعطته جنسيتها وكامل حقوق المواطنة فيها بعد أن قضى ما لا يزيد على أربعة أو خمسة سنوات بها ..

أفكر كثيرا ..
متى تعلو القيم الإنسانية في مجتمعاتنا ..
متى نسأم من كوننا ظواهر صوتية نتحدث عن معانٍ نحن أبعد الناس عنها ..
ولن أتسائل متى يأتي اليوم الذي نرى فيه أمثال محمد الصومالي مواطنين كاملي الحقوق في مجتمعاتنا العربية ..
بل سأتسائل: متى يأتي اليوم الذي نعي فيه أننا أصبحنا كمجتمعات عربية عالة على الإنسانية وأننا نسيء إلى ديننا وثقافتنا وحضارتنا أكثر بكثير من أكثر الحاقدين عليها ..

وسأكون حالما وأتسائل: متى سيأتي اليوم الذي يصبح فيه كل ما يحدث حولنا الآن من جهل وتطرف وظلم واستبداد وقهر وفقر تاريخا طوينا صفحته لنفتح صفحة جديدة يعيش في ظلها أبناؤنا وأحفادنا ..

سألت محمد: هل تسمح لي بنشر حديثنا ليقرأ الناس قصتك ..
سألني: هل أنت صحفي؟
فتبسمت له وقلت: لا .. أنا مستخدم جيد للفيسبوك .

.
نقلا نقلا عن جريدة الشروق  نقلا عن حساب الصديق العزيز وائل غنيم على موقع فيس بوك